حلم النظافة للجميع - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 7:29 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

حلم النظافة للجميع

نشر فى : الأحد 17 أكتوبر 2010 - 8:55 ص | آخر تحديث : الأحد 17 أكتوبر 2010 - 8:55 ص

 لو أن أحدا من الفقهاء المعنيين بعلامات الساعة ظهر بيننا لاعتبر مشكلة النظافة فى مصر من علامات الساعة الصغرى. ذلك أن أولئك العلماء اعتبروا أن تغيير النواميس وانقلاب الأحوال من مقدمات اقتراب يوم القيامة. فقولهم إن من تلك العلامات أن «تلد الأَمَة ربَّتها» لا يختلف فى دلالته ومغزاه عن قولنا إن «أم الدنيا» عجزت عن حل مشكلة القمامة فى عاصمتها.

لقد تعرضت للمشكلة فى مرة سابقة، وما دعانى للعودة للموضوع اليوم أننى طالعت فى 12/10 خبرا منشورا بجريدة «الأهرام» تحت عنوان يمتد على خمسة أعمدة يقول: بأمر المحافظ: مسئولو الجيزة ينقلون مكاتبهم للشوارع للقضاء على القمامة. وجاء فى الخبر أن محافظ الجيزة أصدر تعليماته إلى المسئولين فى المحافظة ورؤساء أحيائها بضرورة الوجود فى مواقع العمل ونقل مكاتبهم إلى الشوارع لمراقبة أعمال النظافة فيها، وقد «أكد» أنه سيتابع النظافة بنفسه، وسيقوم بجولات مفاجئة لهذا الغرض. وإلى جانب الخبر نشرت صورة ملونة أكدت مضمونه، ظهر فيها بعض مسئولى المحافظة واقفين فى قلب أحد الشوارع، وإلى جوارهم عدد من عمال النظافة بثيابهم الخضراء وهم يؤدون أعمالهم. استغربت التقرير لأول وهلة واعتبرته من عجائب العصر، أن تصبح العناية بنظافة الشوارع خبرا ينشر على خمسة أعمدة فى صحيفة قومية كبرى، وكأنها تزف إلى سكان أم الدنيا «بشرى» انتظروها طويلا. لم أصدق حكاية نقل مكاتب مسئولى المحافظة ورؤساء الأحياء إلى الشوارع لاستحالتها من الناحية العملية. واعتبرت أن المسئولين الذين رأيناهم خرجوا إلى الشارع لالتقاط الصورة لا أكثر. ولست متأكدا من أن المحرر الذى نشر الخبر سيجدهم فى أى شارع إذا ذهب فى اليوم التالى للنشر. كما أننى لست واثقا من أن المحافظ سيترك أعماله وسيتفرغ لمتابعة أخبار إزالة القمامة من شوارع المحافظة. وإذا فعلها فإن ذلك سيعد من علامات سوء التقدير، حيث يفترض أن فى المحافظة جهازا كاملا يقوم بالمهمة. وبالمناسبة فإن الكلام عن زياراته «المفاجئة» فيه من الهزل أكثر مما فيه من الجد. لأن الذى يريد أن «يفاجئ» لا يعلن عن ذلك مسبقا فى الصحف السيارة!

الخلاصة أن نشر الخبر والصورة بدا تجسيدا لممارسات البيروقراطية المصرية، التى باتت تعتبر الحضور فى وسائل الإعلام بديلا عن الحضور على أرض الواقع. وليس فى ذلك ادعاء أو افتراء، لأننا رأينا قبل ثلاثة أشهر صورا مماثلة لحملة نظافة فى المحافظة ذاتها، قيل إنها مبادرة من إحدى الجمعيات الأهلية، واكتفى أصحابها بالظهور فى الصور وعلى شاشات التليفزيون، وهم يحملون المكانس وأدوات النظافة، فى لقطة واحدة لم تتكرر، وبها انتهت المهمة وتحقق المراد.

الحاصل فى الجيزة له نظيره فى القاهرة، بمعنى أن الكارثة واحدة، حيث لم تحل بعد فى العاصمة مشكلة القمامة المستعصية منذ عام تقريبا. ولأنى من سكان مصر الجديدة، فلعلى أقول إن المنطقة الوحيدة التى تخلو من القمامة هى تلك التى يقع فيها بيت الريس وقصر العروبة. وفيما عدا ذلك فأكوامها موزعة على مختلف أنحاء الحى، على نحو يعلن على الملأ أن أجهزة الإدارة المحلية فشلت فى أداء هذه المهمة التى هى من بديهيات مسئولياتها. علما بأننا ندفع شهريا رسوما للنظافة (كان ينبغى أن ترد للناس بعد الفشل، وأن يحاسب مسئولو الحى عن الأوجه الحقيقية لإنفاقها).

يحير المرء هذا العجز عن حل المشكلة، التى يبدو أنها بصدد التحول إلى عاهة ووصمة فى جبين مصر، فى حين أنها مسألة تجاوزتها أى دولة تنتمى إلى العصر. ناهيك عن أن لها حلولها الحاسمة والاقتصادية التى مل الخبراء من التذكير بها. ويبدو أن ما ينقصنا هو الجدية فى التعامل مع المشكلة. الجدية فى اتخاذ القرار وفى محاسبة المسئولين عن التراخى فى تنفيذه. وهو ما يسوغ لنا أن نقول إن ما أصاب النظام من ترهل وشيخوخة استشرى فى جسم أجهزة الإدارة الحكومية. إذ لم تعد عاجزة عن أن تلبى احتياجات الناس فحسب، ولكن العجز أفقدها القدرة على القيام بواجبات بسيطة للغاية، مثل الحفاظ على نظافة الشوارع ورفع القمامة منها.

ثمة لافتات فى العاصمة احتفت بمضى 20 عاما على حملة القراءة للجميع، فهل لنا أن نحلم بأن نرى حملة أكثر تواضعا ترفع شعار «النظافة للجميع»، هذا إذا تأبى البعض أو استاءوا من شعار النظافة من الإيمان؟!

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.