العرب.. مفعول به مرة أخرى - محمد المنشاوي - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 3:06 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


العرب.. مفعول به مرة أخرى

نشر فى : الخميس 18 مارس 2021 - 9:15 م | آخر تحديث : الخميس 18 مارس 2021 - 9:15 م
ما حدث عام 1916 من إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط تكرر عدة مرات على مدار المائة عام الأخيرة. وقبل انهيار الإمبراطورية العثمانية، اجتمع سرا فى القاهرة عام 1916 «جورج بيكو» القنصل الفرنسى فى بيروت، مع السير «مارك سايكس» المندوب السامى البريطانى لشئون الشرق الأدنى، إضافة لمندوب روسى، وأسفرت مجموعة من الاجتماعات عن إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط الخاضع للسيطرة العثمانية، وهى سوريا والعراق ولبنان وفلسطين، إلى مناطق تخضع للسيطرة الفرنسية، وأخرى تخضع للسيطرة البريطانية.
وتشهد منطقتنا العربية حاليا حالة من السيولة الاستراتيجية بعد عشر سنوات من اندلاع ثورات الربيع العربى، والذى يُعد الزلزال الأهم منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية. وتنشغل العديد من الدول الكبرى، كما هو متوقع منها، فى إعادة حساباتها الاستراتيجية. إلا أن الأكثر أهمية وخطورة، هو أن الدول الإقليمية المهمة لم تضيع وقتا، وتحاول جاهدة ملء الفراغ الاستراتيجى الذى تعانى منه منطقتنا، والتحرك سريعا لتأكيد مصالحها، والمشاركة فى إعادة رسم خريطة المنطقة.
فى الوقت نفسه، ما زالت القوى السياسية العربية والمصرية على اختلاف أشكالها وتوجهاتها لا ترى فيما يحدث حولنا ما يستحق الانتباه! ولم تدرك تلك القوى بعد أن المخاطر والتحديات التى يشهدها المحيط الإقليمى، أو تتخذ الموقف الأشد سوءا وتشارك أطراف إقليمية وتُسهل من تنفيذ تصوراتها لمستقبل المنطقة.
***
نعم لم تتغير خريطة الدول العربية رسميا منذ انفصال جمهورية جنوب السودان، واستقلاله فى دول مستقلة غير عربية.
ورغم ثبات الخريطة السياسية، وبقاء الدول «من الناحية الرسمية موحدة»؛ حيث تهتم الرؤية التقليدية بحدود الدولة المعترف بها دوليا، نشهد تغيرا واسعا فى الخريطة الاقتصادية والاجتماعية والسكانية للعديد من الدول العربية مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وربما لبنان.
لم يعد العراق مثلما كان قبل عشرين عاما، ولم تعد سوريا كما كانت قبل عشرة أعوام، ولم تعد اليمن كما كانت قبل خمس سنوات، ولم تعد ليبيا كما كانت قبل عقد من الزمان.
ولا يمر أسبوع دون نشر بعض التقارير والأخبار التى تمثل نذير خطر على الدول العربية وعلى مصالحها الإقليمية حاضرا ومستقبلا، ويمثل كل منها تهديدا واختبارا حقيقيا للدول العربية التى يراها الكثير من المؤرخين تفتقد لمقومات الدول الصلبة التى لا تتأثر بالمتغيرات التاريخية من حولها، ومنها على سبيل المثال:
عدم الثقة فى طبيعة الترتيبات الأخيرة فيما يتعلق بمستقبل الدولة الليبية، ويرى الكثير من الخبراء أن انهيار نظام الحكم فى طرابلس قبل عقد من الزمان أنهى الرابطة التى جمعت الليبيين بالقوة لعقود تحت حكم العقيد معمر القذافى. ولم يسمح تدخل الدول العربية فى الصراع الأهلى الليبى إلا لزيادة حدة الخلاف والانقسام بين الأطراف الليبية. ودفع الزج بأجندات ومصالح دول عربية منها مصر والإمارات وقطر إلى فتح الباب على مصراعيه لتدخل دول إقليمية ودولية فاعلة مثل روسيا وتركيا، وهو ما يزيد من تعقيد مستقبل الدولة الليبية.
وما ينطبق على ليبيا يتكرر بصورة أو أخرى مع سوريا واليمن، فبعد عقد من اندلاع ثورتى الدولتين، تسيطر الحكومة السورية على مساحة محدودة من الأراضى السورية، فى حين تخضع مناطق واسعة لنفوذ قوى دولية وإقليمية كروسيا وتركيا والولايات المتحدة. ولا يخفى على أحد توغل النفوذ الإيرانى من ناحية داخل سوريا، ومن ناحية أخرى يسيطر السلاح الجوى الإسرائيلى على السماء السورية. ولا تعرف الدول العربية بعد إجابة على سؤال: ما العمل مع سوريا؟ هل يتم إعادتها لجامعة الدول العربية، هل يستمر مقاطعة نظام بشار الأسد؟
***
ومع وصول إدارة جديدة فى واشنطن، وتعهد الرئيس جو بايدن بالعودة بصورة أو أخرى، للاتفاق النووى من جديد دون أن تكون الأطراف العربية متواجدة أو ممثلة فى المفاوضات.
وعلى مدار السنوات الأخيرة ومنذ توقيع الاتفاق النووى عام 2015، فشلت الدول العربية المعنية مثل الإمارات والسعودية فى تأسيس علاقات جيدة مع إيران، واختارت الاصطفاف مع إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب فى التضييق على إيران. ولا تعرف العواصم العربية ما يجرى خلف الأبواب المغلقة ومن خلال القنوات السرية بين واشنطن وطهران. ولا تعرف الدول العربية الإجابة على سؤال ما العمل مع توغل النفوذ الإيرانى فى اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان.
أما ملف عملية سلام الشرق الأوسط وحقوق الشعب الفلسطينى، فأصبحت جزءا من التراث الدبلوماسى، وأصبح التركيز على الهرولة العربية للتطبيع مع إسرائيل من دول خليجية بدأتها الإمارات والبحرين، فى حين شهدت عمان والسودان والمغرب مشاورات لتأسيس علاقات كاملة وغير مشروطة مع إسرائيل.
***
ولا تعد المنظمة الجامعة للدول العربية وتقع فى قلب العاصمة المصرية وتُعرف باسم «جامعة الدول العربية» لاعبا يستحق العودة إليه فى توازنات عالم اليوم بعدما تخلت قسرا أو طوعا، عن لعب أى دور جاد فى أى أزمة عربية، وأصبحت مثالا للفشل ولانعدام القدرة على التواجد المثمر.
المصالح الاستراتيجية العربية باقية حتى فى إطارها القُطرى الضيق؛ حيث تكترث كل دول بمصيرها ومصالحها. لكن أن ينتظر أن يرسم الآخرون خريطة منطقتنا، ونكون نحن «المفعول به» للمرة الثانية.. فهذه ليست أقل من جريمة فى حق أبناء وأحفاد عرب اليوم.
محمد المنشاوي كاتب صحفي متخصص في الشئون الأمريكية، يكتب من واشنطن - للتواصل مع الكاتب: mensh70@gmail.com
التعليقات