«بيت من زخرف».. محنةُ ابن رشد ومأساتنا - محمود عبد الشكور - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 7:33 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«بيت من زخرف».. محنةُ ابن رشد ومأساتنا

نشر فى : السبت 18 مايو 2024 - 8:15 م | آخر تحديث : السبت 18 مايو 2024 - 8:15 م

  الكتابة عن الماضى هى كتابة معاصرة بالضرورة، لأننا لا نستطيع أن ننسلخ من اللحظة الراهنة، ولا من ثقافتها أو منهجها. نحن بالضرورة نكتب ونختار أحداثا ماضية بوعى الحاضر، وما يدعونه «الرواية التاريخية» ليس مجرد حكاية عن الأمس، إلا بمعيار المادة والأحداث، ولكنه استدعاء معاصر تماما، وبوعى لحظة الكتابة.

هذه الرواية الصادرة عن (دار الشروق) لمؤلفها إبراهيم فرغلى تحت عنوان «بيت من زخرف.. عشيقة ابن رشد»، دليلٌ جديد على ذلك، فمثلما استدعى فيلم «المصير» ليوسف شاهين سيرةَ القاضى والطبيب والفيلسوف الأندلسى العظيم ابن رشد، ليقدم التحية لحرية الفكر، وليهجو التشدد والتعصب والتسلّف الأعمى، وليرد على مصادرة فيلم «المهاجر»، ومحاكمة صنّاعه، فإن فرغلى استدعى فى روايته سيرة ابن رشد إحياء للعقل الغائب أوالمُغيّب، وتقاطعا مع حاضر يصادر التفكير والاجتهاد والتأويل، ويستعيد أجواء محاكم التفتيش، وتُطلق فيه دعاوى التكفير، والتحريض على القتل، دون حكمة أو بصيرة.

فرغلى إذن لا يسرد سيرة ابن رشد، إلا لكى يحكى عن سيرتنا وأحوالنا نحن، سنلمس ذلك من أول صفحة الإهداء إلى روح المفكر الراحل نصر حامد أبو زيد، وسنكتشف أيضًا أنه استلهم شخصية أبى زيد، وقضية تكفيره، ودعوى الحسبة ضده، والتفرقة بينه وبين زوجته، وهو يرسم شخصية بطل روايته سعد الدين إسكندر، أستاذ الفلسفة المصرى المهاجر إلى إسبانيا، والذى تتقاطع محنته الراهنة، مع محنة ابن رشد فى الماضى.

منظور السرد مزدوج حاضرًا وماضيًا، والانتقال بين ابن رشد وتلميذته العاشقة لبنى القرطبية، وبين سعد الدين إسكندر وتلميذته العاشقة الإسبانية ماريا إيلينا، يظهر تماثلًا عجيبا بين الأمس واليوم، وكأن الأسئلة لم تتغير، وكأن محنة ابن رشد، ومحنة سعد الدين، هى محنة العقل العربى والمسلم، الذى أريد تغييبه، أو تحييده، بحيث لا يكون قادرًا على التفكير والاجتهاد، وبحيث يظل مستمعًا ومطيعًا لمن احتكروا الرأى والفتوى، توظيفا للدين فى أغراض سياسية أو دنيوية. ثمة حبكة معقدة استلزمتها هذه الرؤية المزدوجة، التى تشيد جسورًا قوية بين الماضى والحاضر، بل لعلها تجعلهما وجهين للعملة نفسها، لذلك صارت لدينا ستة أقسام سردية متداخلة، تحكى عن ابن رشد من خلال عيون معاصرة، وعبر يوميات تركتها مريم القرطبية، تلميذته العاشقة، ومن خلال مشروع رواية عنه، أرادت أن تكتبها سيدة برتغالية تدعى مانويلا.

هدف البناء كله أن تكون جدارية اليوم امتدادًا لجدارية الأمس، وأن يدفع الرشديون الثمن قديمًا وحديثًا، بل لعل المعنى الأهم هو أن هزيمة تيار العقل بزعامة ابن رشد، شارح أرسطو العظيم، هو سبب ما نحن فيه من جمود وتعصب، بينما استفادت أوروبا من منهج ابن رشد، وانتصرت على تيارات التشدد، وأتاحت حرية التفكير والجدل، وأنقذت العلماء من سطوة الغوغاء، وسطوة رجال الكهنوت، ومحترفى السياسة. هنا فكرة معاصرة تمامًا، وهنا أيضًا جهد كبير فى اختيار معادل سردى مشوّق يحتفظ ببعض الأسرار حتى الصفحات الأخيرة، يحضر فيه المكان والزمان قويا بين عصر الموحّدين، وأسبانيا المعاصرة، ونرى ابن رشد كرجل شجاع ومثابر، لا يتوقف عن القراءة والكتابة، ينتصر للفلسفة، ويهمّش عاطفته لصالح العقل، وكأنه فى مهمة مقدسة. وبين محنة نفى الفيلسوف وتكفيره، ومحنة سعد الدين، وزوجته جليلة، ومحنة النحات السورى عاصى الذى دفن تماثيله، وفرّ ببعضها إلى أوروبا، ومأساة زياد، الشاب الذى أراد تفجير قطارات مدريد، يبدو الصراع المحورى بين التعصب والجهل من ناحية، وبين التسامح والعقل من ناحية أخرى.

تفهّمتُ هذا التعقيد بمعيار تعقد الظاهرة وامتدادها، وأعجبتنى أيضًا فكرة تنفيذ الوصية التى ينهض عليها البناء، وكذلك فكرة تعدد الأديان واللغات، والكتابة داخل كتابة داخل كتابة، فالجدارية واحدة، والعقل واحد، والتعصب بلا دين ولا وطن، والسؤال معلّق، والصراع مستمر. ولكن تعقيد الحبكة أحدث بالمقابل تشوشًا واضحًا، وخصوصا مع تعدد ضمائر السرد، فعلى سبيل المثال: يفترض أن كتاب لبنى القرطبيّة يحتوى بالأساس على يومياتها عن ابن رشد فى منفاه، وعلاقتها به، ومع ذلك تقتحم اليوميات أجزاء أملتها مانويلا البرتغالية، على تلميذتها الإسبانية ماريا إيلينا.

لا ننسى كذلك أن مانويلا تريد بدورها كتابة رواية عن ابن رشد، جمعت مادتها فى القسم الثانى وعنوانه «أفيرويس»، والذى نظن لأول وهلة أنه معلومات موضوعية متناثرة عن ابن رشد، بينما هو مادة مانويلا عن ابن رشد، وفى القسم الثالث نقرأ عنوانًا هو «كتاب مانويلا»، أى حكايتها الشخصية، وشغفها بابن رشد، فنظن أننا سنقرأ مذكراتها مثلًا، ولكن الحكى سيتم من خلال صديقتها ومنفذة وصيتها ماريا إيلينا.

لا بأس من فكرة تعدد الأصوات، ولا اعتراض على أن تفتح قصة على قصة أخرى، ولا أن نرى الشخصيات، وأولها ابن رشد، عبر شخصيات أخرى، فهذا الأمر متسق مع حيوية منهج التفكير الخلاّق، وفى صميم معنى قراءة الماضى على ضوء الحاضر، ولكن المؤاخذة فى أن هذه اللعبة أدت إلى ارتباك سردى، وإلى الاستطراد، رغم التسليم بثراء حياة ومؤلفات ابن رشد، وأهمية مناظراته الفلسفية، وصعوبة الاختيار من هذه المادة الثرية. استعاد السرد توازنه فى النهاية بين الأفكار الفلسفية المجردة، وبين مادة الحياة، وتفاصيل الشخصيات، كما بدا لى أن حضور المرأة الإيجابى والمؤثر فى الرواية، ترجمة لنظرة ابن رشد إليها، وترجمة أيضًا لحضور نموذج المرأة القوية فى عالم إبراهيم فرغلى، ولعل تخيله لوجود عشيقة للفيلسوف، احتجاج ضمنى من الكاتب، على تغييب ابن رشد للعاطفة، تحت سطوة عقله الفذ. هذه رواية تشيّد بيتًا مزخرفًا من الحكايات، لتقول إن قيمة العقل فى التفكير، والتفكير يحتاج إلى جهد ومشقة، ويتطلب أيضًا موقفًا شجاعًا يدافع عنه. وإنه حقا لكتابنُا نحن، وليس كتاب فرغلى أو إسكندر أو مانويلا أو لبنى أو ابن رشد.

محمود عبد الشكور كاتب وناقد سينمائي وأدبي مصري
التعليقات