لكل واحدة منا أغنيتها - منى قاسم - بوابة الشروق
الأحد 9 مايو 2021 1:31 ص القاهرة القاهرة 24°

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


لكل واحدة منا أغنيتها

نشر فى : الإثنين 19 أبريل 2021 - 8:05 م | آخر تحديث : الإثنين 19 أبريل 2021 - 8:05 م
استوقفنى منشور على الفيسبوك عن عادات قبيلة الهيمبا فى ناميبيا، حيث تاريخ ميلاد الطفل لا يتحدد بلحظة قدومه إلى العالم ولا بلحظة بداية الحمل، ولكن باليوم الذى تحلم فيه المرأة بطفلها. فعندما تقرر الزوجة أنها تريد طفلا، تستظل بشجرة وتُصغى جيدا حتى تستطيع سماع أنشودة الطفل الذى سيأتى، ومن ثم تعلمها لوالد الطفل المنتظر وتظل تغنى هذه الأنشودة لتدعوه للقدوم، إلى أن تحمل به. ثم تلقن هذه الأنشودة لنساء القرية جميعا ليستقبلن بها الوليد يوم ميلاده، ثم تصير أغنيته التى تذكره دائما بهويته ينشدها له حكماء القرية فى كل عثرة له ويكون آخر يوم يسمعها فيها هى يوم وفاته.
***
وأخذت أفكر فى ماهية الأغنية التى يمكن أن تكون تميمة أنشدها لابنتى تشد أزرها فى أوقات التعثر أو تحيى جهودها فى بلوغ أهدافها فى الحياة؟
لم أدقق أبدا فى كلمات أغنياتى المفضلة قبل قدوم ابنتى إلى الحياة، ولكنى كلما حاولت غناء إحداها لها أتوقف عند جملة لا أحب لها أن تؤمن بها، أو معنى سلبى يكبلها كونها بنتا أو حتى كونها مختلفة لا أريدها تصديقه. فاصطدمت منذ البداية مع أغنية الطعام الشهيرة «هَم النم» لعفاف راضى، فى المقطع الذى يقول: «مرة سألت الأستاذ أرنب ليه مانتاش لابس نضارة؟ قال أنا طول عمرى لطيف ومؤدب باكل من غير ماعمل غارة». لأن ابنتى ترتدى النظارة منذ الثالثة من عمرها بالرغم من كونها لطيفة ومؤدبة وتأكل بدون غارات ولكنها مع ذلك تعانى من ضعف فى النظر، فكيف لى أن أبرر لها هذه الحقيقة مع غنائى لها هذا المقطع بشكل متكرر؟ بل وأقنعها بعد ذلك بأن الجزر لن يجعلها تستغنى عن النظارة الطبية مثلما تعدها الأغنية التى صورتها لها كشىء مكروه عليها تفاديه من خلال الاهتمام بالأكل الصحى.
***
على الرغم من جمال هذه الأغنيات لحنا وأداء وما تستدعيه من ذكريات جميلة عن الطفولة البريئة إلا أن معظم الرسائل التى تحملها تؤطر لمسار محدد يجب أن تسلكه الفتاة لتنجح أو لتحظى بالقبول العائلى أو المجتمعى. فـ«حبيبة أمها» فى أغنية الفنانة الكبيرة صباح، يجب أن تكون «شاطرة نِمرها كويسة» لتحبها أمها. لكن ماذا لو تعثرت ابنتى فى الدراسة؟ بماذا ستشعر وهى تعلم علم اليقين أن حبى لها مشروط بقدرتها على التحصيل العلمى ومصدره التفاخر بنجاحها؟
***
لماذا أغنى لابنتى «قمرة يا قمرة لا تطلعى ع الشجرة، والشجرة عالية وانتى بعدك صغيرة» لأكبل طموحها وأحاوطها بخوف دائم من الفشل. والشق الثانى من هذه الأغنية الرحبانية الساحرة يؤسس لعلاقتها مع الشريك على أساس أبوى يتحكم فيه الحبيب بها متذرعا بحبه لها. فعندما أكرر على مسامعها بلغة تقريرية «حبيبك وصاكى تَتْضَلى بالبيت ومين ما حكاكى لا تتركى البيت.. كل الأبواب مسكرة هيك الهوا يا قمرة». ما هى الرسالة التى أريد إيصالها لها؟ لماذا يريد الحبيب حبسها فى البيت؟ ولماذا عليها الامتثال لمثل هذا الطلب المَرضى؟
***
بشكل عام الأغنيات التى تهتم بالفتيات تحتفى بالجمال والدلال والابتسامات الساحرة والفساتين الجميلة والشعور المتطايرة، أغنيات تميل إلى التحرش، تشَبِه الفتاة بالحلوى التى يتنافس عليها الرجال. «دى اتولدت بسبوسة فى اللفة، يومها كام بيبى فى المستشفى وقعوا ف بعض أما شافوها فى التَوْ»، كما يغنى أحمد حلمى فى فيلم مطب صناعى. لماذا أشغل طفلتى الصغيرة بفكرة تنافس الجنس الآخر للفوز بها بدلا من توجيهها للاهتمام باستكشاف الحياة الواسعة من حولها والانطلاق إلى أبعد مدى فى تحقيق أحلامها. «الحنية والحلاوة والحرية والشقاوة والطعامة واللذاذة، دى كنافة دى بقلاوة، كل الناس اللى يشوفوها يبقوا عاوزين يخطفوها أو يروحوا يخطبوها من عند بيت أبوها»، كما غنى محمود العسيلى. هل أفزعتكم هذه الجملة مثلما فعلت بى؟ أم أننى أميل إلى التهويل وستوجه لى تهمة الحماية المفرطة لأطفالى؟ ولكن لماذا أغنى لطفلتى وأقول لها إن شقاوتها وجمالها سيكونان سببا فى تنافس الناس عليها بل ورغبتهم فى امتلاكها أو خطفها، بل وأساوى بين هذه الرغبة المريبة وبين رغبة المعجبين فى الارتباط بها؟ لا عجب إذن حين يدعونا الدعاة الجدد لارتداء الحجاب بعقد مقارنة بين الحلوى المكشوفة التى يفسدها الذباب والحلوى المغطاة المحمية من كل شر.
***
ودائما ما يتم تذكير الطفلة بأن هدفها الأساس هو أن تصبح زوجة وأما. «مش خايفة ليه من الزفة من صغرك فاهمة وعارفة، عايزة الطرحة يا عروسة من وانتى يادوب فى اللفة»، هكذا غنت نانسى عجرم للبنات. لكن ماذا إذا لم ترغب ابنتى فى الطرحة والفرح والزواج؟ وماذا إذا لم يكن حلم الأمومة من أحلامها التى تسعى إلى تحقيقها؟ ولماذا نصر على أن يشغل موضوع الزواج تفكيرنا وتفكير بناتنا إلى هذا الحد؟ أليس الأجدر بنا أن نغنى لهن عن مواجهة التحديات، عن كيفية التعامل مع الإحباطات المتكررة، عن الطموح وبلوغ الأهداف، عن السعادة باختياراتهن مهما كانت مختلفة وغريبة عن اختيارات الآخرين، بدلا من التركيز على الجمال الخارجى وكيفية الحفاظ على تنافس الرجال والفوز فى النهاية بالطرحة والزفة لتعم الفرحة.
***
كل هذه الأغنيات لأشهر المطربين، هى الأكثر انتشارا فى وسائل الإعلام المختلفة ونجدها على قوائم الأغنيات الأكثر طلبا فى الحفلات الخاصة بالأطفال. فهى أغنيات خفيفة راقصة تترك أثرا طيبا ويسهل ترديدها، هى فى ظاهرها تحتفى بالفتيات وتقدرهن ولكنها تسطح أحلامهن وتقولبها ولا تسمح بأى نوع من الاختلاف. بالتأكيد إذا فتشنا عن الأغانى الموجهة للأطفال وأطرقنا السمع سوف نجد ما قد يحيد عن هذا النمط، ولكن السائد من هذه الأغانى والمسموع على أوسع نطاق لا يحمل إلا مثل تلك الرسائل.
***
حتى تكون لكل واحدة أغنيتها الخاصة بها التى تعكس اختلافها وتشجعها على تحقيق أحلامها هى وليس أحلام الآخرين، التى يمكنها استدعاؤها فى لحظات الإحباط ولحظات النجاح، علينا أن ننتبه للرسائل السلبية التى تؤكد عليها الأغانى السائدة ونحاول استبدالها بأخرى أشد تنوعا وأقل تنميطا وأكثر تحريضا على الاختلاف.
منى قاسم باحثة في شؤون المرأة
التعليقات