من أجل قراءة متوازنة لانتفاضة طلاب الجامعات الأمريكية - يحيى عبدالمبدي محمد - بوابة الشروق
الخميس 20 يونيو 2024 12:59 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

من أجل قراءة متوازنة لانتفاضة طلاب الجامعات الأمريكية

نشر فى : الأحد 19 مايو 2024 - 7:10 م | آخر تحديث : الأحد 19 مايو 2024 - 7:10 م

تابعت خلال الأسابيع الأخيرة بعناية الكم الغزير من المواد المكتوبة والمصورة فى وسائل الإعلام العربية التقليدية وعلى وسائل التواصل الاجتماعى، والمنصات التى تناولت انتفاضة الطلاب فى الجامعات الغربية وتحديدا الأمريكية. لا أدعى أن التغطية والمتابعة كانت قاصرة، بل إن الاهتمام بالمعلومات والتفاصيل والخلفيات كان حاضرا ومبهرا. لكن اللافت أن كثيرا من المعالجات جاءت منحازة ومؤدلجة، وأحيانا سطحية ينقصها الفهم الدقيق للسياق الثقافى والسياسى الأمريكى.

ابتداء لابد أن أعترف بأننى مثلى مثل الملايين حول العالم من أصحاب الضمير، شعرت بالسعادة والفخر والاعتزاز بانتفاضة الطلاب، واحترمت شجاعتهم وتعريض مستقبلهم التعليمى والمهنى للتهديد دفاعا عن قناعاتهم وما يؤمنون به من قيم ومبادئ. وقد فاجأنى حجم اتساع الظاهرة، وانتشارها من جامعة لأخرى ابتداء من كولومبيا فى نيويورك إلى جامعة كاليفورنيا غربا مرورا بجامعات العاصمة واشنطن، وميتشجان، وشيكاغو، وجورجيا، وفلوريدا، وتكساس، وأريزونا، وغيرها. فقد شهدت 45 ولاية من إجمالى 50 ولاية أمريكية تظاهرات واحتجاجات وإضرابات ومخيمات تأييدا لفلسطين، وتضامنا مع غزة، ورفضا للسياسة الأمريكية تجاهها. وقد شارك فى هذه الفعاليات عشرات الآلاف من الطلاب من مختلف الاتجاهات والخلفيات، وتم اعتقال وتوقيف ما يزيد على ثلاثة آلاف طالبة وطالب. وتلقى الآلاف من الطلاب تهديدات من الجامعة باتخاذ إجراءات تأديبية تصل إلى الفصل، أو من الشركات ورجال أعمال بوضع أسمائهم فى قوائم تمنع توظيفهم مستقبلا، فضلا عن التهديدات الأخرى التى تصل خطورتها إلى الاستهداف أو التهديد بالقتل.

ورغم أن العام الدراسى كان على وشك الانتهاء، لم تتوقف انتفاضة الطلاب، بل أخذت فى الازدياد والانتشار وصارت حفلات التخرج فرصة ومنصة للتعبير عن رفض الطلاب للسياسات الجامعية والاعتراض عليها، ولسياسة الولايات المتحدة التى تدعم الإبادة التى يتعرض لها الفلسطينيات والفلسطينيون فى قطاع غزة. كما انضم إلى هذه الفعاليات أساتذة وموظفون تابعنا مقاطع للحظات اعتقالهم على وسائل التواصل الاجتماعى. وقد نجح الطلاب فى بعض الجامعات على إجبار الإدارات على إلغاء التعاون مع دولة الاحتلال أو سحب استثماراتها فى إسرائيل.

•  •  •

لقد حققت انتفاضة الطلاب، وما تزال، أثرا بالغا فى إيصال رسائل الغضب والأمل إلى الداخل الأمريكى والخارج. ولا أتجه بنقدى فى هذا المقال إلى انتفاضة الطلاب واحتجاجاتهم، إنما إلى الكيفية التى تناول بها كثير من المتابعين فى العالم العربى لهذه الأحداث. وهدفى هو الوصول إلى قراءة متوازنة وواقعية وغير منحازة أو مؤدلجة لانتفاضة الطلاب فى الجامعات الأمريكية من خلال الملاحظات الآتية:

أولا، لا خلاف على أن هامش الحريات فى الولايات المتحدة فى تراجع منذ سنوات، وأن الأفكار الشعبوية تنافس بشدة القيم الديمقراطية والليبرالية المعهودة. كذلك، فإن الانقسام فى المجتمع الأمريكى بات أكثر وضوحا. كما أن التحيز لسردية إسرائيل أمر مستقر وشائع فى المجال السياسى والثقافى، بغض النظر عن التوجه المحافظ أو الليبرالى. ولا خلاف على أن اللوبى اليهودى فى الولايات المتحدة أقوى جماعات المصالح والضغط تأثيرا فى السياسة الخارجية الأمريكية. ولا خلاف على أن السياسة الخارجية الأمريكية سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية، هى عمياء أو على الأقل عوراء.

ثانيا، الجامعات الأمريكية على اختلاف توجهاتها لم ترحب بالحراك الطلابى، ومارست ضغوطا للحد من حرية التعبير، بل وهددت الطلاب باتخاذ إجراءات تأديبية منها الإيقاف والفصل. ومما زاد الطين بلة قيام إدارة جامعة كولومبيا باستدعاء الشرطة لطلابها المعتصمين فى ساحة الحرم الجامعى. ربما كان التحيز الأيديولوجى والسياسى سببا فى سلوك إدارة الجامعات، أو خوفا من تهديدات واستجوابات الكونجرس لقيادات الجامعات، أو إنفاذا لقانون خشية انفلات الوضع وتحوله إلى عنف وتخريب.

ثالثا، الجامعات الأمريكية، تعتمد اعتمادا أساسيا فى نفقاتها وميزانياتها ووجودها على الوقف، والمنح والهبات التى تتبرع بها شركات كبرى، وجماعات مصالح، ورجال أعمال مرموقون، وأسر ثرية. وتضع إدارة الجامعات فى حسبانها رغبات وتوجهات هؤلاء، ولا ترغب فى فقدان هذه الموارد والمصادر. ولذا فإن سياسات الجامعات ومواقفها تضع فى الحسبان عوامل كثيرة عندما تتخذ قرارا ما.

رابعا، الثقافة السياسية الأمريكية لا تفضل التظاهرات والاحتجاجات تعبيرا عن المطالب السياسية والحقوقية، وحالات التظاهرات الكبرى منذ حرب فيتنام فى نهاية الستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضى تعد على الأصابع. فآليات المعارضة، والرفض والاختلاف لها وسائلها التقليدية فى السياسة الأمريكية، ولذا كان اقتحام الكونجرس من قبل مؤيدى ترامب سلوكا صادما لمعظم الشعب الأمريكى.

•  •  •

خامسا، احترام القانون وعدم تجاوز القواعد واللوائح أمر ثقافى راسخ فى الثقافة البرجماتية الأمريكية عبر تاريخها القصير، وهذا التقديس فى صغائر الأمور وكبائرها، فاتباع قواعد المشاة والمرور والدور والخصوصية لا يحتاج إلى تأويل أو إعادة تفكير، وينطبق الأمر ذاته على كل مناحى الحياة، فلا يمكن أن تقف فى موضع أو مكان مكتوب عليه ممنوع الوقوف، هذا خارج إطار التفكير والنقد، ولا يعنى ذلك أن المجتمع خال من الانتهاكات والفساد، ولكنها تتم وفقا للقواعد والقوانين.

سادسا، إن تصرفات الشرطة ورجال الأمن تجاه احتجاجات الطلاب كانت قاسية، واستعمال العنف كان مفرطا وغير مبرر فى كثير من الحالات، ولكن هذا هو من طبيعة رجال الشرطة فى الولايات المتحدة تاريخيا، القسوة والشدة واستغلال السلطة أحيانا فى إهانة الآخر.

سابعا، تدخل الشرطة وفض التجمعات جاء نتيجة تجاوزات قانونية (وإن كانت سخيفة) مثل التعدى على أملاك الغير، ورفض الانصياع لأوامر الشرطة بمغادرة أماكن التجمعات، فضلا عن اتهامات فضفاضة مثل الحض على الكراهية ومعاداة السامية، وهى اتهامات يتم استغلالها وتوظيفها قانونيا من قبل رجال الأمن وإنفاذ القوانين.

ثامنا، بكل صراحة واتساق مع النفس، أقول إن قيم الديمقراطية (وإن لم تكن مثالية)، وإن أجواء الحريات والحقوق المدنية (وإن باتت مقيدة ومشروطة) فى الولايات المتحدة وأوروبا، هى من كفلت للطلاب الاحتجاج والتظاهر والاعتصام وغيرها من أشكال الرفض والمعارضة. ولابد أن نبتعد عن تحيزاتنا الفكرية والأيديولوجية عند تناول هذه الأحداث.

صحيح أن هامش الحريات يتراجع فى الغرب، وصحيح أن الكيل بمكيالين فى تطبيق قيم الديمقراطية واضح أمامنا، وصحيح أن ما حدث مع الطلاب صدمة، لكن تظل إمكانية التعبير عن الذات والمعارضة والاختلاف قائمة بشرط اتباع القواعد والقوانين وعدم انتهاكها، وهذا ما يفسر محاولة الكونجرس تعديل القوانين فيما يتعلق بانتقاد إسرائيل واعتباره معاداة للسامية. الهدف هو عدم السماح لتكرار هذه الاحتجاجات مستقبلا بنصوص قانونية صارمة.

تاسعا، التفكير بالتمنى والانتقائية فى نشر الأخبار، والتصريحات، والصور، ومقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعى فى عالمنا العربى غير متوازنة، وعادة ما تكون خادعة، ولا تقدم صورة واقعية لما يحدث على مختلف الجبهات فى المجتمع الأمريكى، نظرا لأن معظم الناقلين لهذه المواد لا يلتفتون أو يتجاهلون عن قصد ما يخالف رغباتهم وأمانيهم. وقد تغافلت المعالجات مواقف الآخر المؤيد لسردية دولة الاحتلال بين الإعلاميين، والأكاديميين والسياسيين وهو كثير.

عاشرا، انتفاضة الطلاب شهدت مشاركة طلاب من مختلف الملل والنحل والألوان والأعراق، بل إن اتساع الاحتجاجات وانتشارها جذب المزيد من التأييد وزاد من تقبل بعض قطاعات المجتمع بإمكانية مخالفة الأعراف والقواعد من أجل الدفاع عن قضية عادلة، وقد ربط البعض بين انتفاضة الطلاب والحراك التاريخى الرافض لحرب فيتنام، حيث لم يحدث حراكا مثل هذا منذ نصف قرن على الأقل، وربما يؤدى إلى تحولات مستقبلية فى المجتمع الأمريكى الذى يثق فى روايات إعلامه وسياسييه دون نقد أو مراجعة عقلانية.  

أخيرا، فإن الكثير من أدوات التأثير متاحة منذ عقود فى يد العرب؛ أنظمة وحكومات ونخبا وأفرادا، ولكنهم يأبون الاستفادة منها، فالوقف، والتبرع، وتكوين جماعات ضغط تخدم القضايا العربية وليس الأنظمة، والاستفادة من وجود جاليات عربية وإسلامية متزايدة فى الولايات المتحدة والغرب كلها متاحة، فمن كان يتصور وجود هذا الكم من الطلاب العرب والمسلمين فى جامعات عريقة؟. لدينا العديد والعديد من الحلول والإمكانات، ولكن تنقصنا الإرادة السياسية، والوحدة. ولن يحدث أى تغيير فى هذا الواقع إذا ما استمرت الخلافات وتضارب المصالح وتنافس الأيديولوجيات وسيطرة الأهواء.

يحيى عبدالمبدي محمد أستاذ مشارك بجامعة جورج تاون
التعليقات