يحمل الجدل حول الحوادث الاجتماعية التى تصيب المجتمع المصرى فى الفترة الأخيرة نزوعًا نحو التعميم فى النظر إلى تفاعلات الحياة، وهى حالة ليست جديدة، لكنها تزداد شيوعًا. ويؤدى إطلاق التعميمات وظيفة نفسية وعقلية للناس، فهى تعينهم على رؤية الأمور من منظور «أبيض/ أسود»، وتساعدهم على إراحة أذهانهم من التفكير فى الحياة المتنوعة بشكل عقلانى، ويستوعب الاختلاف بين الناس.
هذه نماذج لبعض التعميمات التى تنتشر على الفضاء الرقمى، ويرددها الناس فى أحاديثهم دون أن يكون لها سند من الواقع أو المنطق.
• ملابس الفتاة سبب رئيسى فى التحرش بها، وبالتالى، كما ذكر شخص ينتسب إلى الدعاة، أن الفتاة التى لا تريد أن يتحرش بها أحد تنزل إلى الشارع فى شوال (جوال)، ولكن هذا الرأى لا يطابق الواقع، وينطوى على تعميم فاضح، ويعكس نظرته السلبية للمرأة، لأن التحرش يطول النساء جميعًا أيًا كانت ملابسهن، وهناك سيدات محجبات، ومنتقبات، واجهن التحرش، ووثقت فيديوهات تلك الجريمة، وقد لفتت جريدة صوت الأزهر فى عددها الأخير إلى أن التحرش جريمة، ومُحرم شرعًا، ولا تبرير له بملابس أو تصرفات أو أى سياق آخر.
• الفقر سبب فى العنف بين الناس، وأن الأحياء الفقيرة والعشوائية تشهد ألوانًا من العنف والبلطجة، وهو أيضًا تعميم ليس فى محله، حيث يمارس أبناء الطبقات الموسرة ألوانًا من العنف، وما شهدناه مؤخرًا فى حادث كومبوند التجمع الخامس، يثبت أن المناطق السكنية الأكثر تطورًا، تشهد أنماطًا من العنف، ويعجز فريق من قاطنيها عن إيجاد حلول سلمية لمشكلاتهم. فى المقابل هناك مجتمعات فقيرة، يسودها العوز والاحتياج، تسرى داخلها أجواء من الانسجام والتعاون بين أفرادها. بالتأكيد قد يكون للعامل الاقتصادى دور، لكنه ليس الوحيد، ونشك كثيرًا فى أنه العامل الأساسى، لأنه لا يوجد تلازم بين الفقر والجريمة، لأن هناك مجتمعات فقيرة، مسالمة، ولا تلجأ إلى العنف، وهناك أوساط اجتماعية ثرية يتفشى العنف بداخلها، ويرتكب أبناء تلك الفئة الاجتماعية جرائم كثيرة، بما فى ذلك المدارس التى تضم أبناء الطبقات الموسرة.
• هناك استقواء من الأغنياء على المجتمع، ويفلتون من العقاب القانونى. وهذا أيضًا تعميم خاطئ، قد يحدث فى حالة أو أخرى نتيجة ثغرات قانونية، أو عدم كفاية الأدلة أو التصالح مع المجنى عليهم أن يفلت مرتكب جريمة من العقاب، ولكن لا يعنى ذلك أن القانون لا يطبق على الأغنياء، فضلًا عن أن هناك من أبناء الطبقات الموسرة من يمارس سلوكًا أخلاقيًا وإنسانيًا راقيًا، ويقدم مساعدات جليلة للمجتمع، وبالتالى لا يصح التعميم على كل الطبقات الغنية، باعتبار أن لها سلوكا جمعيا واحدا، أو فهما واحدا لطريقة الحياة، وهو غير صحيح، فضلا عن أنه غير منطقى.
• السوشيال ميديا سبب أساسى لترويج وتعبئة الناس حول روايات أحادية الجانب، فضلًا عن نشرها أفكار التطرف والكراهية والعنف اللفظى والرمزى. يُعد ذلك تعميمًا ليس صحيحًا فى كل الأحوال. بالفعل قد تلعب السوشيال ميديا أدورًا سلبية، ولكن لها دور متزايد فى الفترة الأخيرة فى الكشف عن وقائع وأحداث اجتماعية وجرائم تتحرك على إثرها مؤسسات إنفاذ القانون، وإذا كانت السوشيال ميديا تعرض رواية الشخص التى يقدمها، فمن الطبيعى أن تعكس جانبًا من الحقيقة، لكنها لا تنشىء أو تختلق شيئًا من عدم.
هذه مجرد أمثلة على تعميمات تسود النقاش الاجتماعى فى المجتمع المصرى، وهناك أمثلة كثيرة لتعميمات تطلق على أصحاب معتقدات معينة، أو سكان مناطق جغرافية، أو محافظات بعينها لا تعكس دائمًا الحقيقة، أو النظرة الموضوعية، فقط تريح ذهن قائلها من التفكير النقدى.