ثوابت الاحتلال وحقائق المصالحة - علي محمد فخرو - بوابة الشروق
الإثنين 26 أكتوبر 2020 8:42 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تساهم تعديلات قانون العقوبات الجديدة لتجريم التنمر في وقف وقائع الإساءة والإهانة في الشارع المصري؟

ثوابت الاحتلال وحقائق المصالحة

نشر فى : الأربعاء 19 أغسطس 2020 - 8:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 19 أغسطس 2020 - 8:20 م

بهدوء وموضوعية وصدق دعنا نوازن بين ما يمثله الاحتلال الصهيونى لفلسطين، وبالتالى استعمار شعبها، وبين ما تدعيه جهات المصالحة مع العدو الصهيونى الوجودى.
لنبدأ بادعاءات ومسيرة الماضى من قبل المحتلين، وممارسات الحاضر، وما تأمل تحقيقه الصهيونية فى المستقبل، كثوابت من ثوابت هذا الوجود الاستعمارى فى جزء من الوطن العربى.
1ــ الادعاء بأن فلسطين هى أرض بلا شعب لتأكيد أسطورة دينية متوهمة بأن اليهود، دون خلق الله جميعا بما فيهم العرب، هم شعب الله المختار، وأن الله منحهم أرض إسرائيل الكبرى، من النيل إلى الفرات، وبالتالى آن أن تعود لأهلها الحقيقيين. هكذا يُلغى شعب عربى سكن فلسطين عبر أكثر من ألفى سنة باسم وجود يهودى فى الماضى السحيق لم يتعد المائتى سنة على أكثر تقدير. هذا الادعاء يُعلم ويرسخ فى أذهان أطفال وشباب اليهود فى مدارسهم ومؤسساتهم الدينية، أى إبقائه حيا ومتواجدا فى المستقبل.
2ــ فى السبعين سنة الماضية لم تنفع عدة حروب ولا عدة انتفاضات شعبية فى زحزحة القوى الصهيونية عن أى من أهدافها. ومنذ ثلاثين سنة قيل بأن الدعم الأمريكى الهائل للكيان الصهيونى سيجعل من المستحيل تحرير فلسطين، ولذا فالأفضل الدخول فى مفاوضات مع الكيان للوصول إلى حلول وسط. وأرغم الفلسطينيون على تعديل دستور منظمة التحرير، ليقود إلى الاعتراف بالكيان الصهيونى والدخول فى مفاوضات بشأن مصير الشعب الفلسطينى فى فلسطين وفى الشتات.
وتحت مهزلة رعاية تلك المفاوضات من قبل لجنة رباعية تهيمن عليها أمريكا الصهيونية المنحازة كليا للكيان، بما فيها هيئة أمم عاجزة مبتزة، قضمت أراضى جديدة، وشيدت عشرات المستعمرات فى الضفة الغربية، وزج الآلاف فى السجون الصهيونية، واقتلعت الأشجار وهدمت البيوت، ودمرت غزة عدة مرات، وبنى جدار العزل العنصرى الأبارثادى، واعتبر رجوع ملايين الفلسطينيين اللاجئين إلى وطنهم خطا أحمر، وتلطخت أيادى القتلة الصهاينة بدماء آلاف الضحايا من النساء والأطفال والشيوخ، وأعلن عن يهودية الكيان واعتبار الفلسطينيين ساكنين مؤقتين. وكانت التمثيلية واحدة: طلب تنازل أكثر من قبل الفلسطينيين الضحية وإعطاء هدايا وامتيازات أكبر للقاتل السفاح. وكانت النتيجة أن الاثنين والعشرين فى المائة من أرض فلسطين التاريخية التى كانت للفلسطينيين فى بدئ المفاوضات تقلصت إلى خمسة عشر فى المائة، وبعد الضم القادم ستصبح 10%. وتوجت أمريكا الصهيونية كل ذلك بإعطاء القدس الشرقية وهضبة الجولان هدية مجانية للكيان.
وعندما انتفضت الضحية وأنهت المهزلة اتهمت بأنها عطلت المفاوضات وبالتالى فهى المسئولة عن الوصول إلى الباب المسدود.
وإذن فلا الحروب والانتفاضات أقنعت الكيان بالتنازل عن شبر واحد أو هدف سياسى صهيونى واحد، ولا استسلام القيادة الفلسطينية المذل فى أوسلو أقنعهم بأى تنازل.
3ــ لنتبين طبيعة قيام دولتين عربيتين، مصر والأردن، بالتوقيع على صلح مع الكيان الصهيونى. لقد كان صلحا فى مقابل استرجاع أراض. ومهما تباينت الآراء حول صحة أو خطأ ما حدث فإن الأمر يبقى تحت مظلة استرجاع الأرض المسروقة فى مقابل الإصرار لتوقيع صلح هش لا روح فيه ولا طعم، وذلك بسبب رفضه من قبل الشعبين العربيين. وهذا ليس تبريرا وإنما هو وصف لواقع كانت قوة الابتزاز فيه هائلة.
4ــ لقد قالها الصهاينة مرات كثيرة، بأنهم لن يقبلوا قط بتطور علمى تكنولوجى أو تفوق عسكرى عند أية دولة عربية إذا كان الكيان يشعر أو يتخيل أصغر إمكانية لتهديده فى المستقبل البعيد. ولذلك فإن هذا السيف المسلط على رقاب العرب، وبدعم أميركى كامل، سيبقى الحقلين، العلمى التكنولوجى والعسكرى، تحت تحكم الكيان سواء بالنسبة للشراء والامتلاك، أو بالنسبة لبنائه ذاتيا. من هنا الرفض التام لامتلاك أية قدرات علمية أو تكنولوجية فى حقل علوم الذرة من قبل أية دولة عربية ما لم يكن تحت إشراف دولى مذل ومعرقل يلعب الكيان فيه دورا من وراء ستار أمريكى.
أمام هكذا ثوابت استعمارية واضحة وعنيفة وعازمة على قضم ثلث الوطن العربى فى نهاية المطاف ألا يحق لنا أن نسأل المنادين بالصلح عن كيفية تعاملهم مع هذا العدو إن هم أبرموا الصلح؟
فإذا كان هكذا عدو لم تجعله، لا حروب ولا انتفاضات ولا تنازلات فلسطينية مذلة، أن يتنازل عن ذرة من الأرض المسروقة أو جانب محدود من هلوساته الدينية وأطماعه التوسعية وفرض هيمنته على اقتصاد الشرق الأوسط برمته، فهل حقا أن لديه الأخلاقية والضمير والكرامة ليتنازل عن أى شى بعد فتح الأسواق لبضاعته، والبلاد لاستثماراته، والشركات العربية لامتلاكها، والساحة الأمنية لاستخباراته، والإتيان بألوف الجواسيس تحت مسمى السياحة، وتضاعف السياحة فى كيانه بمجىء ملايين العرب الطامعين فى مغامرات اللذات؟
هل فى تاريخه وأيديولوجيته وأساطيره الدينية المتخيلة ما يوحى بأنه لن يأخذ كل ميزات السلام لنفسه ويترك العلقم والعار وبكاء الضحايا الفلسطينيين والعرب وخيبة الأمل والشعور بالهوان والاحتقار والدخول فى صراع مع الملايين الرافضين من شعوبهم لمن مدوا له أيديهم، سواء بحسن نية أو بخطأ سياسى، سواء بالابتزاز أو بالقهر، سواء بحرق هوية العروبة أو بالخروج على مقررات الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامى وهيئة الأمم المتحدة وأعداد كبيرة من المؤتمرات الدولية؟
سيحتاج إبراز حقائق وتذبذب المصالحة لمقال مستقل فى الأسبوع القادم.
مفكر عربى من البحرين

علي محمد فخرو  شغل العديد من المناصب ومنها منصبي وزير الصحة بمملكة البحرين في الفترة من 1971 _ 1982، ووزير التربية والتعليم في الفترة من 1982 _ 1995. وأيضا سفير لمملكة البحرين في فرنسا، بلجيكا، اسبانيا، وسويسرا، ولدي اليونسكو. ورئيس جمعية الهلال الأحمر البحريني سابقا، وعضو سابق المكتب التنفيذي لمجلس وزراء الصحة العرب، وعضو سابق للمكتب التنفيذي لمنظمة الصحة العالمية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات الوحدة العربية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة دراسات فلسطينية. وعضو مجلس إدارة جائزة الصحافة العربية المكتوبة والمرئية في دبييشغل حاليا عضو اللجنة الاستشارية للشرق الأوسط بالبنك الدولي، وعضو في لجنة الخبراء لليونسكو حول التربية للجميع، عضو في مجلس أمناء الجامعة العربية المفتوحة، ورئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات والبحوث.
التعليقات