مسألة ضغط - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأحد 17 أكتوبر 2021 4:40 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح التبرع بالأعضاء بعد الوفاة؟

مسألة ضغط

نشر فى : الخميس 19 أغسطس 2021 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 19 أغسطس 2021 - 9:20 م
فجأة انتشرت هذه اللعبة المطاطية بين أيدي كل الأولاد والأحفاد والشباب داخل الأسرة، لا بل إنها انتشرت أيضًا بين أيدي زوارهم من الجنسين، وعندما لاحَظَت حفيدتي معالم الدهشة على وجهي نتيجة هذا الانتشار العجيب سألتني بجديّة: تحبي تجربي؟ إنها قطعة من البلاستيك المطاط على شكل مستطيل تارة وعلى شكل مستدير تارة أخرى، منها ما هو ذو لون واحد ومنها ما يتخذ ألوان قوس قزح لكنها مبهجة في جميع أشكالها. فكرة اللعبة مستوحاة من البلاستيك المستخدَم في تغليف الأشياء القابلة للكسر مع تطوير في المادة المستخدَمة في صناعة اللعبة بطبيعة الحال، وكما كان الأطفال يسعدون بـ"طرقعة" البلاستيك المستخدَم في التغليف ويتنازعونه من بعضهم البعض، فإنهم يتسلون حاليًا بطرقعة اللعبة التي تحمل اسم افقأها أو طقطقها pop it، ومع ذلك توجد اختلافات جوهرية بين بلاستيك التغليف واللعبة المطاطية، فالأول يستخدَم لمرة واحدة أما الثانية فتُستخدَم لعدد لانهائي من المرات، والأول كان يستخدمه الأطفال بالأساس أما الثانية فعابرة للأعمار ويقبل عليها الشباب بشكل واضح إلى حد أنه تم تصنيع اللعبة في أحجام صغيرة تسمح لها بأن تلازم صاحبها في كل مكان كأن تتدلى مثلًا من سلسلة المفاتيح حتى يجد من ينتظر في الطابور أو الإشارة ما يتلهى به، وأخيرًا فإن الأول كان قصده التسلية بالدرجة الأولى أما الثانية فإنها تسلّي نعم لكن وظيفتها الأساسية هي امتصاص التوتر وتخفيف الضغط..
***
عندما بدأتُ في الاستعلام عن هذه اللعبة المطاطية قيل لي إنها تمثل تطويرًا للألعاب التي تُستخدَم في علاج بعض أمراض العصر الحديث كمرض فرط الحركة ومرض التوحد، فهذه اللعبة تمتص الطاقة الزائدة لدى الشخص المصاب بالحركة المفرطة، كما تسهم في تسلية المصاب بالتوحد والذي يكون ميّالا في العادة للعزلة، ومن بعد تسربت اللعبة وخرجت عن هذا النطاق وأصبحت بشكل عام أداة للتخفيف من حدة الضغط الذي يلازم حياتنا اليومية. بطبيعة الحال فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن بمراجعة تطور دور اللعبة هو: كيف كان جيلي والجيل السابق عليه واللاحق له ينفّسون عن توترهم قبل اختراع هذه اللعبة المهدئة؟ فيما أذكر لم تكن لدينا أدوات مصمَمة خصيصًا لهذا الغرض على الأقل في المحيط الذي كنت أحتّك به، لكن الدراما كانت تقدم لنا أحيانًا مشاهد للبطل وهو يفرغ شحنة غضبه عن طريق تسديد اللكمات لمجسّم من الكاوتش مثبّت على الأرض أو معلّق في الهواء وكان هذا المجسّم يتخذ عادة اسم أنثى وذلك قبل أن يهذّب الوعي الچندري النزوع الفطري للتنمر على المرأة. وهكذا فحين أغمض عيني الآن أرى فيما يرى النائم نجومًا محبوبين أمثال رشدي أباظة وأحمد رمزي وشكري سرحان وهم يتقافزون في الهواء ويسددون اللكمة تلو الآخر للمجسّم المصنوع من الكاوتش فيتخففون من شحنة الغضب بداخلهم. لكن مَن كان لا يستطيع أن يقلدهم كان يجد في القراءة متنفَسًا، ولعلي لا أبالغ إن قلت إن جيلي وربما الجيل الذي يليه أيضًا تربّى على كتاب شهير من إعداد ديل كارنيجي عنوانه "دع القلق وابدأ الحياة"، وكان الكتاب هو جزء من مجموعة كاملة لهذا الكاتب الأمريكي المتخصص في مجال التنمية البشرية، وأعماله تدور كلها حول فنون معاملة الآخرين وتكوين الصداقات، لكن الأمر في النهاية كان عبارة عن مجموعة من النصائح المغلّفة ببعض الحكايات المشوّقة عن كيفية التخلص من التوتر، ولعل هذا هو نفس أسلوب الكاتب أحمد خالد توفيق الذي اشتغل على الجانب النفسي للشباب وإن كان قد ابتعد عن التوجيه المباشر الذي اتبعه كارنيجي، فشباب القرن الواحد والعشرين لا يحبون التوجيه، لكن المؤلفَين معًا اشتغلا على بناء الشخصية السوّية وليس على تفريغ الشحنة الانفعالية كما هو الحال مع الكرة المطاطية.
***
لقد صارت كل أنواع الخدمات أيسر بكثير مما كانت عليه في أيامنا بفضل التطور الكبير في تطبيقات الذكاء الصناعي، ولن يصدق أحد من أبناء الجيل الحالي- مهما حكينا له- كم كنّا نعاني من صعوبات في الاتصال والسفر وفي الحصول على المعلومة والكتابة على الآلة الكاتبة، لكن في الوقت نفسه تعقدَت الحياة بشكل لا يوصف وصار التوتر مكوّنا أساسيًا من مكوناتها. نحن نتوتّر لأن المنافسة في السوق المفتوحة جعلتنا أشبه ما نكون بالجياد التي تركض في سباق لا ينتهي أبدًا ولا يعترف بالمادة ٢٤ من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تقّر بأن لكل شخص الحق في الراحة، وعندما أستحضر كيف تناول الأدب في الخمسينيات والستينيات مشكلة الزوجة التي تشكو من الفراغ بسبب انهماك زوجها في العمل أضحك من كل قلبي لأن زوجة اليوم باتت مستنزَفة خارج البيت وداخله، وأظنها تعتبر غياب الزوج تخفيفًا للعبء. ونتوتر لأن سقف التوقعات ارتفع جدًا، فمع أن الفوارق الطبقية كانت وماتزال وستبقى قائمة إلا أن إحساس الجيل الجديد بها تضخّم جدًا، وهذا نلمسه في المقارنات التي لا تتوقف مع الناس اللي فوق ممن يتمتعون بأشكال غير مسبوقة من الرفاهية، وكلما اتسعت الفجوة بين التطلعات والإمكانيات زاد الإحباط. ونتوتر لأن منظومة القيم الاجتماعية التي تحافظ على توازننا النفسي اختلت بشدة، ولأن خصوصياتنا انمحت ودسّ الجميع أنوفهم في أدق شؤوننا بمساعدة منّا. ونتوتر لأنه رغم كل التطور الذي نلمسه زاد عدم اليقين وتعمّق الخوف من المجهول، وكلمة السر كوڤيد ١٩ الذي تجري فيه الموجة وراء الموجة عاوزة تطولها، مع الاعتذار لشاعرنا الجميل أحمد رامي.
***
كيف للعبة "افقأها" pop itأن تتعامل مع كل مصادر التوتر العويصة هذه؟ لا أدري، ولو كان الأمر بهذه السهولة ما كانش حد غُلُب كما يقولون. لكن أظن أن من اخترعوا اللعبة المطاطية يراهنون على أنه كما يوجد مرض مُتَوَهَم يوجد أيضًا علاج مُتَوَهم، فهؤلاء الذين يطرقعون اللعبة المطاطية دون توقف سيوهمون أنفسهم أنهم صاروا أفضل عندما تمكنوا من منغصاتهم وصاروا يطقطقونها.
نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات