نظرة موضوعية على تمويل قناة السويس الجديدة - عمرو عادلى - بوابة الشروق
الإثنين 6 يوليه 2020 5:21 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

نظرة موضوعية على تمويل قناة السويس الجديدة

نشر فى : الجمعة 19 سبتمبر 2014 - 7:30 ص | آخر تحديث : الإثنين 6 أبريل 2015 - 2:54 م

كان على الحكومة المصرية أن تواجه سؤالا حرجا عند تمويل مشروع قناة السويس الجديدة حول كيفية توفر التمويل اللازم لمثل هذا المشروع الضخم، والذى تراه لازما لرفع معدلات التشغيل والنمو وانتشال الاقتصاد من الركود، فى وقت تجرى السياسة المالية فى اتجاه تقشفى بغرض خفض العجز فى الموازنة. وقد ظهر وعى الرئيس بالقيود المالية على الدولة بتأكيده فى خطاب بدء المشروع على أن التمويل لن يترجم إلى أعباء إضافية على الموازنة العامة للدولة، خاصة وأن إجمالى ما تم تخصيصه فى السنة المالية الجارية للاستثمار يناهز ٥٠ مليار جنيه، وهو مبلغ يقل عن الميزانية المقدرة لمشروع القناة وحده (٦٠ مليار جنيه).

وقد حاولت الحكومة التوفيق بين هذين الاتجاهين المتناقضين فى مشروع قناة السويس بإصدار شهادات استثمار من خلال عدد من البنوك الحكومية وشبه الحكومية (بنك قناة السويس) بهدف جمع حصيلة تودع فى حساب هيئة قناة السويس لتمويل المشروع مقابل فائدة سنوية ١٢٪ تصرف بشكل ربع سنوى لأصحاب الشهادات ذات فئة الألف جنيه. وكان المقدر أن يقع عبء دفع الفائدة وسداد الأصول عند الاستحقاق على عائد قناة السويس السنوى (حوالى ٥.٥ مليار دولار أو ٣٧ مليار جنيه مصرى فى ٢٠١٣/٢٠١٤). ومن المعروف أن حصيلة القناة تحول إلى موازنة الدولة العامة، ولا يتم الاحتفاظ بها لدى الهيئة، ما يجعل الخزانة هى المسئولة فى نهاية المطاف عن ضمان وسداد فائدة ورد أصول الشهادات عند الاستحقاق طبقا لتصريحات وزير المالية قبل عدة أيام، والتى أوضح فيها أن الخزانة ستقوم بفتح حساب مجنب لدى المركزى المصرى تودع فيه ٧ مليارات جنيه لسداد الفوائد السنوية وربع السنوية بجانب ١٢ مليار جنيه سنويا لسداد أصول الشهادات عند الاستحقاق بعد خمس سنوات. وقال إن هذا سيؤدى لزيادة مؤقتة فى العجز، وإن كان مبلغ ١٢ مليارا سيكون عبئا دفتريا لحين الاستحقاق بعد خمس سنوات، ولكنه برر هذا بأن المشروع استثمارى وذى عائد مضمون بما يبرر التكلفة. وأوضح وزير المالية، ولأول مرة منذ بدء العمل بالمشروع قبل أسابيع، أن الزيادة فى عائد القناة السنوى عند إتمام المشروع، والمقدرة بنحو ٢٥٩٪ ستتحقق بالكامل فى ٢٠٢٣ أى بعد تسع سنوات من الآن.

تشير هذه التصريحات الأخيرة إلى أن الموازنة العامة للدولة ستتحمل فعليا وفى المدى المباشر تمويل مشروع القناة الجديدة خلافا لما سبق إعلانه من تجنيب الخزانة العامة أعباء التمويل، وهو السبب الرئيسى الذى قاد الحكومة إلى طرح شهادات الاستثمار للجمهور فى المقام الأول، فهل تعتبر الشهادات هى أفضل الوسائل وأقلها تكلفة وأكثرها تواءما مع طبيعة المشروع؟

•••

يبدو أن شهادات الاستثمار ذات الفائدة ربع السنوية لا تتلاءم مع كون المشروع بعيد المدى من حيث تحقيق عائده فى خلال تسع سنوات من بدئه، وهو ما يخلق هذا العبء على خزانة الدولة لسداد الفائدة والأصول عند الاستحقاق، ويبدو أنه كان من الأفضل أن يكون التمويل باتفاق اقتراض مباشر بين هيئة قناة السويس ومجموعة البنوك الحكومية (والتى تحوز ما يزيد عن ٥٠٪ من إجمالى ودائع الجهاز المصرفى أى حوالى ٦٠٠ مليار جنيه بما يساوى عشرة أضعاف المطلوب لتمويل المشروع فى السنوات الثلاث القادمة)، ويكون الاتفاق بشروط تلائم طبيعة المشروع طويلة الأجل بحيث يتم السداد فور بدء عائد القناة الجديدة فى التدفق (أى بعد ثلاث سنوات من الآن حال الالتزام بالجدول الحالى) ويتم تجنيب الخزانة أية أعباء فى السنوات القليلة القادمة على نحو يتماشى مع جهود خفض العجز، خاصة وأن إجراءات تخفيض الدعم الأخيرة والتى من المفترض أن توفر ما بين ٤٠ و٥٠ مليار جنيه فى السنة المالية الجارية تعنى المزيد من إتاحة الأموال لدى البنوك لتمويل الاستثمار الحكومى دون الضغط على الائتمان الموجه للقطاع الخاص.

•••

قد يبرر بالطبع اللجوء للشهادات لتمويل المشروع الرغبة فى تحريك مدخرات تقع خارج القطاع المصرفى، وهو أمر سيظهر تحققه من عدمه فى المستقبل مع كشف البنك المركزى عن عدد الشهادات التى تم شراؤها بغير أموال الودائع البنكية، ففى هذه الحالة تكون بالفعل فكرة طرح الشهادات قد حققت تمويلا مع تخفيف الضغط عن الجهاز المصرفى، أما إذا تراءى فيما بعد أن غالب الشهادات قد تم شراؤها من أموال الودائع لدى البنوك فساعتها تتضاءل مكاسب طرح الشهادات فى مقابل عقد الاقتراض المباشر من هذه البنوك من قبل الهيئة، خاصة وأن الفائدة على الشهادات (١٢٪) ليست منخفضة بل تزيد عن الفائدة على السندات الحكومية (ما متوسطه ١٤.٧٪ ولكنه خاضع للضرائب ما يجعل صافى التكلفة نحو ١١.٤٪) إذا أخذنا فى الاعتبار أن الشهادات معفاة من الضرائب خلافا للسندات والأذون. ويضاف لهذا أن تكلفة الشهادات تقع بالكامل على الخزانة التى ستسدد الفائدة والأصول عند الاستحقاق عن هيئة قناة السويس، وبالتالى العبء لا يقع على البنوك الحكومية المودعة فيها هذه الشهادات، والتى كان من المتوقع أن تستخدمها الحكومة فى الظرف المالى المأزوم حاليا لتحمل أعباء تمويل الاستثمار ولو مؤقتا، وهو ما لم يحدث إذ أن الصيغة الحالية تجعل البنوك مجرد مكان لحفظ حسابات القناة واستقبال الراغبين فى شراء الشهادات.

ولعل الخلاصة هى أن قضية التمويل لمثل هذا المشروع القومى الضخم كانت ولا تزال بحاجة للمزيد من الدراسة والنقاش العام حول سبب اختيار آلية تمويلية بديلا عن أخرى خاصة وأن المشروع من حيث تكلفته ومن حيث العائد المنتظر منه يقع فى دائرة المال العام والاقتصاد القومى.

التعليقات