سنة أولى «ماسك» - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الثلاثاء 26 يناير 2021 11:58 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع وصول منتخب مصر لنهائي كأس العالم لكرة اليد؟

سنة أولى «ماسك»

نشر فى : الخميس 19 نوفمبر 2020 - 9:40 م | آخر تحديث : الخميس 19 نوفمبر 2020 - 9:40 م

مر شهر على بداية العام الدراسي، يا مسهّل، نطمع في كرم الله كي نكمل الفصل الأول على خير وتستمر حياتنا كما عشناها دائماً، شرح ومناقشة وشغب وغضب ثم صفح وود يدوم وذكريات. قبل أن يأتي يوم ١٧ أكتوبر تاريخ بداية الدراسة كان بي شوق كبييير جداً إلى هذه البوابة الكبيرة التي أدلف منها إلى عالم أخذ أكثر من ثلاثة أرباع عمري، ليس سهلاً أن تنفصل عن تاريخ بهذا الامتداد.. ليس سهلاً أبداً. من هذه البوابة دخلت لأول مرة قبل ستة وأربعين عاماً وأنا أشعر بغربة تامة عن هذا المكان.. أستغرب هذه الوجوه والمباني والكافيتريات وأحن إلى مدرستي، إلى المدرسين الذين أعرفهم ويعرفونني شخصياً وأدعوهم للاحتفال معي بعيد ميلادي.. إلى الكانتين الصغير ببضائعه المملة التي لا تتغير أبداً.. إلى تحيا جمهورية مصر العربية التي كانت تبدأ بها كل صباحاتنا والمحظوظة منّا التي تشد الحبل لترفع العلم فوق السارية. لكن وكعادة المياه التي تغافلنا وتجري من تحت الجسور، جرت مياه كثيرة جداً جداً من تحت سنيني فإذا بعشرات الخيوط الحريرية تربطني ربطاً بهذه الجامعة.. ببوابتها وقبّتها وكل ما فيها. في هذه الكافيتريا رأيت زوجي لأول مرة وجلست معه وبعض الأصدقاء أدعي أني أشرب الكوكاكولا وفي الحقيقة لا أفعل، عموماً لم يعد لهذه الكافتيريا وجود، قام مكانها هذا البناء الضخم الذي نطلق عليه دار الضيافة. نحتاج أحياناً إلى درجة عالية من الثبات النفسي ونحن نحكي للأجيال الأصغر فالأصغر ونصف لهم معالم اندثرت قبل أن يروها، نحتاج إلى هذا الثبات حتى ننجح في أن نجعلهم يصدقوننا ولا يتصورون أننا نهذي.. نعم كان هنا يوجد شجر وموائد ومرطبات وقصص حب كثيرة. في هذه الممرات تأبطت ذراع صديقتي ومشينا ندردش فيما بين المحاضرات، لم نفوّت محاضرة أبداً ولم نكن عجبة في ذلك فمعظمنا كان يتصور أن الطالب لا مكان له إلا داخل قاعات الدرس، ثم اختلف الأمر. في هذا الحرم الفسيح قاومنا جبروت الجماعات الإسلامية التي تحرم الفن والاختلاط والحب وعشنا كما نريد فغنينا واختلطنا وأحببنا وانطلقنا رغم الجنازير، ومن الحرم امتد خط يربط الداخل بالخارج في مظاهرات يناير ١٩٧٧ التي قيل عنها "انتفاضة الحرامية"، لم أشارك في تلك المظاهرات لكن شارك فيها زملاء ولم يكونوا حرامية.
***
أما هذه الكلية فبين حجارتها وجدرانها وسلالمها وبين أجهزتي العصبية يوجد شبه توأمة، هنا تنفست وتعلمت وأجبت وأجدت وأخطأت وبكيت وطرت من الفرح وعشت. في مدرج رقم ٢ ناقشت رسالة الماچستير ومت خجلاً ودكتور خيري عيسي يتهكم عليّ مخاطباً مشرفي دكتور حامد ربيع ويقول: الرسالة دي فيها رقص كتير يا حامد! كان كاتب الآلة الكاتبة فيما يبدو لديه انحياز خاص لحرف القاف فإذا بكل رفض ويرفض وترفض يتحولون على يديه إلى رقص ويرقص وترقص! كانت الآلة الكاتبة عذاباً ما بعده عذاب، لكن المرحلة تؤخذ هكذا على بعضها بحلوها ومرها، وكان حلوها كثيراً أو قاطعاً كما يصفون أحيانا الحلوى حين يكون سكرها زيادة. لاحقاً حاولت أن أصحح صورتي لدى دكتور خيري عيسى فاخترته مشرفاً على الدكتوراه، لكن القدر كان أسبق مني إليه، رحل الأستاذ الراقي الودود المبتسم دائما وتركني في حيص بيص ثم صارت في الأمور أمور. في هذا المكتب على يسار الداخل كنت أجلس لأستريح عند أستاذ حامد الجمل مسجّل الكلية وكان حبيب الطلاب، وعندما كان يأتي إليه عريس ليسأل على أخلاق هذه الطالبة أو تلك ليتأكد من حسن سيرها وسلوكها على طريقة هذه الأيام والدقة القديمة، لم يكن أستاذ حامد يقول إلا خيراً واعداً بأن يكتم السر الرهيب، لكن بعد ثوان كان الخبر يصير على كل لسان ويخبر أستاذ حامد القُرب والغُرب معاً وأولهم طبعاً العروسة. على هذه الجدران كانت تُعلق نتائجنا.. مصائرنا، درجة واحدة ترفعنا لأعلى وأخرى تنزل بِنَا لأسفل. يا له من عمر ويا لها من ذكريات.. وبعد كل ذلك يقولون لنا الدراسة أون لاين فلا حضور ولا تفاعل ولا مقالب الطلاب الأشقياء ولا شيء؟
***
ها أنا أدخل من نفس بوابة الجامعة الكبيرة بعد انقطاع دام شهورًا منذ سمعنا لأول مرة عن هذا الكوڤيد العجيب، تفاؤل غير مبرر يتملكني ويطرد تلك الهواجس التي لا تفتأ تلاعبني وتحذرني من الغد، المهم أنني الآن هنا في هذا المكان حيث لا غربة إلا خارجه وسبحان مغير الأحوال. تدهشني تفاصيل جديدة لم نعتد عليها من قبل لكن لا بأس فالاحتياط واجب، أمد رأسي من شباك السيارة وأستسلم للترمومتر يسجل درجة حرارة دون ٣٧، إذن أنا بمب والحمد لله ثم أنفذ إلى الداخل. الحركة بشكل عام قليلة فكيف سيكون إذن الحضور داخل المدرج؟ سوف نرى، عموماً كنّا تعودنا من فترة طويلة على أن الطلاب خارج قاعات الدرس أكثر منهم داخلها وهذه ظاهرة عامة، لم يعد المحاضر مهما كان شاطراً هو مصدر المعلومة للطلاب فهناك مصادر كثيرة تبدأ بالنت وتنتهي بالفهلوة، سوف نرى. داخل المدرج كان المنظر مدهشاً، العدد أكبر مما اعتدنا عليه في السنوات الماضية، ما هذا؟ أيكون الطلاب قد ملّوا الجلوس في منازلهم واشتاقوا إلى الحياة الطبيعية داخل الجامعة؟ يبدو هذا.. أحبكم جداً.. قلبي يرقص فرحاً وخوفاً.. فرحاً لأنني معكم وخوفاً لأنكم أمانة. عدا استثناءات قليلة كان الكل يضع الماسك فوق وجهه، الطالب هناك على آخر الطرف في الصف الثالث أين الماسك؟ لا يوجد معي، حسناً.. أخرجتُ بصبر ماسكاً احتياطياً من حقيبتي لكن سبقتني طالبة وقامت بالواجب. كله يرتدي الماسك.. لا تراجع ولا استسلام كما يقول عنوان أحد الأفلام المصرية الشهيرة، طبعاً أحب ملامح طلابي كما هي وأحب تلاقي نظراتنا وأعتبرها الترمومتر الذي يقيس أدائي ويصححني ويصحصحني أيضاً، لكن ما باليد حيلة وفي كل الأحوال فإن هذا أفضل من الأون لاين. ثم أن التحدي الأهم لم يكن في ارتداء الماسك فهناك بشكل عام التزام كبير، التحدي الأهم في مقاومة الطلاب للمسافة الاجتماعية الآمنة. أفهمكم.. والله العظيم ثلاثة أفهمكم.. أفهم أنكم تريدون تعويض شهور الغياب بالتقارب والنميمة والتندر على المحاضرة بكسر الضاد وفتحها وتبادل الرسائل والنكات على شاشات الموبايل.. لكن انتبهوا ففي الأفق يوجد كوڤيد.
***
أرش المايكروفون بعطر خمس خمسات الذي صار يلازمني كظلي وأعانق العيون الشاخصة من فوق ماسكات بكل الألوان، أحاول أن أُسّرب عبر ماسكي مشاعر دافئة وسعيدة ومستبشرة وأرفع صوتي قليلاً بالترحيب: كل سنة وأنتم طيبون، تتثنى على مدد الشوف ماسكات خلف ماسكات وألتقط همهمات كثيرة الأرجح أنها تجاملني بتهنئة مماثلة، آخذ نفساً في حدود الحيّز المسموح به داخل ماسكي وأستعين على الشقاء بالله.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات