الخميس 27 يونيو 2019 11:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في قرار استبعاد عمرو وردة من معسكر المنتخب بكأس أفريقيا؟

قديسون وضحايا وأبطال

نشر فى : السبت 20 أبريل 2019 - 10:55 م | آخر تحديث : السبت 20 أبريل 2019 - 10:55 م

يصعد عبد الحميد إلى أعلى التلة التي صنعتها كراكيب السيدة الوالدة. يعلن عن وجوده بصرختين مدوتين كأنه فاتح إفريقيا، والدليل بشرته الداكنة وصيته بين الجيران الذين عرفوا اسمه إجباريا من فرط الجلبة والصياح. ليس له من اسمه نصيب، فهو لا يمكن أبدا أن ينضوي تحت صفة العبد المطيع، لكن الله وهبه الحياة ضمن العديد من الإخوة، وأمه قررت أن تسبغ عليه كما على أفراد عائلتها جميعا ثوب المظلومية الفضفاض، واعتبرت أنه يفسر ويغفر كل الخطايا. يلعب أبناؤها بدلا من الذهاب إلى المدرسة ويسيئون الأدب ويحدثون فوضى وضجة عارمة فتكون حجتها كثرة عددهم وصغر المكان المخصص لحراس المنازل، في حين أنه في المجمل أفضل مما قد يستأجرون، لكنها مصرة أن تحمل الجميع تبعات قرار كثرة الإنجاب. تحتمي مرة بعد مرة بثوب المظلومية الفضفاض الذي يشبه ملابسها السوداء الطويلة الواسعة والنقاب الذي تختبئ وراءه. تدعي بطولة لا تستحقها، فتكذب على نفسها وعلى الآخرين، ما يفعله العديد من البشر حولنا على اختلاف مستوياتهم الاجتماعية ودرجاتهم العلمية. يحبون دور الضحايا دون مراجعة أعمالهم، فهو مريح ويسمح بكسب تعاطف المحيطين، خاصة بذرف دمعتين وقليل من الشجن الأليم الذي نجده بوفرة في الأغنيات الشعبية.

***
أن يستمر البعض في التململ من القدر ويتحولوا دوما إلى ما يجلب عليهم شفقة الآخرين والرثاء إلى ما آل إليه الحال، رغم أنهم السبب فعليا في كل ما جرى لهم، صار ضمن أمراض القرن، فلعب دور الضحية واستمرائه أسهل من تحمل نتائج اختيارات الفرد وأفعاله. نغوص في ثقافة الإنكار، بدلا من محاسبة الذات: أنا لم أخطأ، أنا مظلوم، وكل ما حدث من باب التجني والتحامل على العبد الفقير، الذي ربما يصلي الفرد بفرده، وقد اكتفى بذلك كتذكرة لدخول الجنة. نعزل أنفسنا داخل قوقعة تحمل في طياتها الكثير من المرارة والضغينة والشك والترقب، ونتوقع أن نعيش سعداء، وعندما لا يحدث ذلك يزداد حنقنا على القدر ومعه إحساس المظلومية. ولو كان الأمر حقيقة لتحول معظمنا لقديسين وانتشرت الهالات تشع فوق الرؤوس.

***
يصف علماء الاجتماع منذ التسعينات "مجتمعات الضحايا" التي نعيش فيها، وأسباب تطورها على هذا النحو. يشرح البعض كيف تحولنا في السنوات الأخيرة من ثقافة الكرامة إلى ثقافة المظلومية، حيث صار الناس مشجعين على التعامل مع أي أمر كما لو أنه دفاع عن الشرف، فنحن بصدد تحقيق الغنائم واصطياد الحقوق من خلال اللعب بالمشاعر واستدرار العطف، وهو ما يشكل تراجعا حضاريا تشير إليه العديد من المؤلفات المتخصصة، موضحة أننا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر انتقلنا من "ثقافة الشرف" إلى "ثقافة الكرامة"، أي أن الناس لم تعد تثأر بنفسها لشرفها من خلال السجالات والمبارزات، بل اتجهت للمؤسسات والمحاكم لفض المواضيع الشائكة، أما في الأمور الصغرى فأصبحت تقبل بالتسويات الاجتماعية بما يسمح لها الحفاظ على كرامتها، أما الآن فالكثيرون يعتمدون على ثقافة المظلومية لتحقيق المكاسب. يتبع الموظف مثلا في كثير من الأحيان سياسة "ضربني وبكا، وسبقني واشتكا". يتكلم مع الزملاء عن الظلم الذي تعرض له، ويصرح به علنيا فيثير الشفقة ويتحول إلى ضحية، ولا ينظر أحد للأخطاء التي اقترفها، وهو ما يعني تغيرا في الحدود القيمية، في أقل من قرن من الزمان، لأن قبل ذلك بفترة كان ينظر باحترام أكبر لمن يعاني في صمت ولا يبوح بمشاكله، حفاظا على كرامته. الآن يشكو الفرد ليعلن عن وجوده ويعلو صوته ليحقق المكاسب، حتى لو على حساب الآخرين أو دون وجه حق، وحتى لو هو جزء أصيل من المشكلة، مثلما يفعل عبد الحميد من فوق التلة عندما يصيح في الفضاء وكأنه في غزوة عرمرمية أو على خشبة المسرح.

التعليقات