مودى.. محطّم العلاقات التاريخية العربية - الهندية - مواقع عربية - بوابة الشروق
الخميس 23 مايو 2024 6:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مودى.. محطّم العلاقات التاريخية العربية - الهندية

نشر فى : السبت 20 أبريل 2024 - 8:55 م | آخر تحديث : السبت 20 أبريل 2024 - 9:00 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالًا للكاتب الكويتى منصور مبارك، تناول فيه عداء مودى لمن يدينون بالإسلام. إذ انتمى مودى يافعا إلى منظمة قومية شبه عسكرية RSS هى منظمة التطوع القومية «راشتريا سوايامسيفاك سانج»، مكونة من الذكور الهندوس، تأسست فى عام 1925، وتضمّ ما يربو على ستة ملايين يافع يتوزعون على خمسين فرعًا داخل الهند، ومستنسخة من ONP منظمة الشبيبة الفاشية الإيطالية" التى تأسَّست بين الحربَيْن العالَميّتَيْن. وتُعد هذه المنظّمة الخزّانَ البشريّ لحزب "بهاراتا جاناتا".

وتقدِّم للفتيان دروسا فى القوميّة الهندوسيّة وتمارين على فنون القتال، والأهمّ من ذلك بثّ مشاعر الفَخر والانتماء الهندوسى فى دواخلهم.

ومنظروها من أمثال سارفكار وديوراس وأدفانى، كانوا المُخطِّطين للعنف العنصرى فى التاريخ السياسى المعاصر للهند، مثل اغتيال المهاتما غاندى، ومذبحة غوجارات، وتدمير جامع باربرى. وكل من المنظمة والحزب تحكمهما عقيدة واحدة تلخصها فكرة أن الهند أمة للهندوس يحوم حولها دخلاء، ما يستلزم عملهما على توحيد الهوية الهندوسية وتعبئتها.

كان الآباء المؤسسون للقومية الهندوسية هم أهل التحريض على العنف ضد المُسلمين الهنود فى التاريخ المُعاصر. على سبيل المثال، فى ديسمبر 1938، بعد أسابيع فقط من ليلة الكريستال التى نفّذت فيها الوحدات النازية مذابح ضد اليهود، أَعلن المفكر القومى الهندوسى «فى. دى. سافاركار» أنّ «المُسلمين الذين يُعارضون المصالح الهندوسيّة سيكون مصيرهم كمصير اليهود الألمان». وأعلن الرجل الثانى لـRSS، إم إس جولوالكار، أن «تطهير ألمانيا للبلاد من العرق السامى (اليهود) هو درس جيد لنا».

يضيف الكاتب أن جزءًا رئيس من أجندة حزب بهاراتيا جاناتا تضمّن تحريف التاريخ، بهدف شيطَنة المسلمين، واتهامهم زورا بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية. وذلك على الرغم من إقرار مؤرّخى الهند قاطبة أن المسلمين ليسوا سوى الهندوس الذين دخلوا الإسلام على مراحل متباينة، وقليلا منهم وفد من الخارج. وغالبًا ما يركز القوميون الهندوس فى أذيتهم وتنميطهم للمسلمين على حقبة حكم المغول لمناطق فى شمال الهند ووسطها بين عامين 1560 و1720.

وملخص الرواية الهندوسية التآمرية أن المغول مارسوا اضطهادًا وتمييزًا منظّمًا ضد الهندوس. غير أن هذا الادعاء لا يعدو كونه أكذوبة جرت فبركتها إبان الحكم الاستعمارى البريطانى لدق إسفين الخلاف بين الهندوس والمسلمين وصرف الانتباه عن حكمهم الاستعمارى. والقوميون الهندوس يلوكون هذه الأكذوبة البريطانية فى الوقت عيْنه الذى يتهمون فيه المُستعمر البريطانى بتزوير التاريخ الهندى.

هذا الضيق بأبناء الوطن المسلمين طبقته سياسات مودى على الإرث الحضارى الهندى، فأصبحت شواهد الحضارة الهندية مثل «تاج محل» محض نصب تذكارى مغولى شيّده الغرباء على أنقاض معبد للآلهة شيفا، ما يستوجب إلغاءه من المناهج المدرسية والمنشورات السياحية. وقد أقدمت الحكومة الهندية بالفعل على حذف تاريخ المغول من الكتب المدرسية. وهكذا فإن الأجيال اللاحقة من الهنود ستكون جاهلة بحقبة مهمة من تاريخها. مودى الهارب من تاريخه الشخصى كفلتْ له تشابُكات السياسة بين الدول دورًا على الساحة العالمية.

ففى أعقاب انتخابه رئيسًا للوزراء فى عام 2014، عرض مودى نفسه للعالم الغربى كشريك ديموقراطى موثوق به قادر على مُواجهة النفوذ الصينى المتنامى، وبذريعة المصالح المتبادَلة. فالهند محاطة بالصين وباكستان، وهما عدوان تاريخيان متحالفان ضدها، ويمتلكان، كما الهند، سلاحًا نوويًا.

وصانعو السياسة الهندية ينظرون إليهما كتهديد وجودى، فالباكستان ما انفكّت تدعم الحركات الإسلامية فى شبه القارة الهندية، وبخاصة كشمير، وخاضت ثلاث حروب ضد الهند. والصين، بدورها، توّجت نِزاعًا حدوديًا واستراتيجيًا مع الهند بحربيْن فى ستينيات القرن العشرين. كما أنها تطوق الهند، بإحكام، بتحالفات على حدودها الشمالية والشرقية والجنوبية.
• • •
تطرق الكاتب إلى فكرة الولايات المتحدة ودول أوروبا الغربية بقيام تحالف غربى هندي-والتى تلقفها مودى بسرعة- يتيح لأنظمة ديمقراطية إحكام سيطرتها على ممرّ بحرى حيوى، بخاصة أن ذلك جَعل الطرفيْن قادرين على قطع الطريق على مشروع الرئيس الصينى شى جين بينج «طريق الحرير»، الممتد من جنوب شرق آسيا إلى منطقة الهند الصينية، نزولًا إلى سريلانكا، ومن ثم صعودًا إلى باكستان وجيبوتى، وتحرسه قواعد عسكرية سمتها الصين «اللآلئ».

وتمّ الإعلان رسميًا عن المشروع الغربى الهندى على هامش قمة مجموعة العشرين فى الهند، وضم فى عضويته الهند والسعودية والإمارات والأردن وإسرائيل، وكذلك فرنسا وألمانيا وإيطاليا والمفوضية الأوروبية، وقد تلتحق به اليابان. ويمتد الممر الهندى الأوروبى لأكثر من ثلاثة آلاف ميل، ويتكوّن من ممرّ شرقى من الهند إلى الخليج العربى، وآخر شمالى يربط الخليج بأوروبا، وتلتئم أطرافه بخطوط للسكة الحديد وممرات ملاحية، وتنشأ مصاحبة له شبكة كهرباء متكاملة تعمل بالطاقة المتجددة فى دول مجلس التعاون الخليجى مترابطة مع أوروبا والهند.

وفى سعيه لكسْب مودة الغرب، اجترأ مودى على أمر لم يقم به أى رئيس وزراء هندى من قبل، وهو زيارة إسرائيل، فكل الحكومات الهندية، وحرصا على وشائج تاريخية وحضارية متميزة وفريدة من نوعها تربط الهند بالعرب، لم تُقدم على علاقات علنيّة مع إسرائيل. ورمى مودى فى زيارته إلى تل أبيب إلى بناء شراكة أمنية طويلة الأمد مع إسرائيل، وأبدى إعجابه باليمين الإسرائيلى وزعيمه بنيامين نتنياهو. مودى فى هذا كلّه، انقلبَ على تراث راسخ فى السياسة الهندية تجاه العرب والصراع العربى - الإسرائيلى.

فالهند أول دولة فى العالم تعترف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثّلًا شرعيًا للشعب الفلسطينى فى عام 1974. كما اعترفت بالدولة الفلسطينيّة فى عام 1988، ولم تُقِم أية علاقات مع إسرائيل إلا عقب مؤتمر أوسلو فى عام 1992.

هذا المَيل لإسرائيل عبّرت عنه حكومة مودى فى إدانتها الفورية لعملية «طوفان الأقصى» فى 7 أكتوبر 2023. كما تماهت مع السياسة الإسرائيلية فى مُعارضة أية هدنة إنسانية لوقْف القتال، ونظّمت الهياكل السياسية لليمين الهندى المتطرّف مسيرات حاشدة دعما لإسرائيل. هذه الانتهازية الرخيصة استقصدت رمى حجارة الكراهية لاصطياد هدفيْن: تأجيج خطاب الإسلاموفوبيا وانتزاع سيادة هندوسية على الأقلية المسلمة فى الهند. لكن العدالة والمساواة التى ينظّر لها مودى فى خطاباته لا تكترث للهندوس أنفسهم، وهم من قارَع، أبًا عن جد، ثالوث الفقر والمرض والأمية. إذ إن مودى الذى نصّب نفسه زعيما للفقراء أَبرم اتفاقات اقتصادية مع شركات صناعة الأدوية العملاقة العابرة للقارات، وأغدق عليها الأراضى على حساب مجتمعات محلية من الفلاحين الفقراء.
• • •
تأتّى عن سياسة كسْب ود رأس المال المعوْلَم تعرّض الهند لأعلى معدلات التلوث السام، فتفشّت الأوبئة وهجر آلاف الفلاحين أراضيهم فرارا من الموت. ومودى ماض فى بيع الأراضى لشركات الأدوية، فهناك أكثر من 140 شركة عالمية ومصنع تشييد سنويا، وكلّ منها سينفث سمومه فى الأرض والمياه والهواء.

فضلًا عن ذلك، يقيم مودى تحالُفًا مع حيتان المال فى الهند، وهذا ليس جديدا، ففى أعقاب مذبحة غوجارات، انبرى رهط من رجال الأعمال لتأسيس "رابطة نهضة غوجارات"، وأقاموا قمة استثمارية سُمّيت "غوجارات النابضة" فى عام 2003، وعلى هديها جرى صوْغ ما عرف بأنموذج غوجارات للتنمية، عماده قومية هندوسية متوحشة تترعرع فى أحضان حيتان المال الهندوس. هؤلاء الأثرياء هُم المُنافحون الأبرز عن سياسات مودى، وينفقون بسخاء على مشروعه لـ«عبادة الشخصية»، وهو الذى أصبح يسبق اسمه لَقب الزعيم، ويُنعت بين جماهير الهندوس بألقاب أخرى، مثل موحّد الصوت الهندوسى، وإمبراطور القلوب الهندوسية. وردّ مودى الفضل للأثرياء من خلال مساعدتهم على تعظيم ثرواتهم بطرائق تفوح منها رائحة الفساد والمحاباة.
• • •

إن هذه الشهية المفتوحة على الكراهية والفساد والرعونة السياسية لم تكُن بأى حال من الأحوال سمات سياسى طامح لأن يكون زعيمًا عالميًا، وعالَمنا المعاصر سخى بنماذج مشابهة.

النص الأصلى: 

التعليقات