حديث المواطنة - جورج فهمي - بوابة الشروق
الخميس 30 يونيو 2022 6:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد عودة كيروش مديرا فنيا لمنتخب مصر؟

حديث المواطنة

نشر فى : الجمعة 20 مايو 2022 - 9:05 م | آخر تحديث : الجمعة 20 مايو 2022 - 9:05 م

واكب احتفال المصريين المسلمين بشهر رمضان المبارك احتفال المصريين المسيحيين بأسبوع آلام السيد المسيح، وضمنه يوم الجمعة العظيمة الذى يصوم فيه المسيحيون حتى غروب الشمس. هذه المصادفة دعت البعض إلى إطلاق نكتة انتشرت على وسائل التواصل الاجتماعى، تقول بأن «مصر كلها بمسلميها ومسيحييها ستكون صائمة يوم الجمعة. فإذا ما رأيت شخصا يأكل، فلا بد أنه غير مصرى». لاقت الدعابة استحسانا لدى البعض، ورأى فيها آخرون دليلا على الوحدة الوطنية بين المصريين، وامتلأت التعليقات عليها بعبارات التهانى الودودة بين المسيحيين والمسلمين.
النكت ليست فقط للدعابة، بل قد تحمل فى طياتها أيضا معانى سياسية مهمة، وهى تكشف حتى من دون قصد عن قناعات المجتمع وأفكاره. فالمعنى الكامن وراء هذه الدعابة، على الرغم مما يبدو منها من دعوةٍ للتسامح والإخاء بين المصريين، هو السبب فى كل مشكلات مصر الطائفية خلال العقود الخمسة الأخيرة. ولا أمل فى إرساء دولة مُواطَنة حقيقية طالما استمرت هذه الرؤية القاصرة للمجتمع المصرى، وعلاقة مفهوم الوطن بالدين.
• • •
يكمن خلف النكتة معنيان خطيران. الأول هو أن المجتمع المصرى يتكون من جماعتين دينيتين فقط لا غير، هما المسلمون والمسيحيون. وهذا المعنى يربط إذا فكرة الانتماء الوطنى بالانتماء الدينى لإحدى هاتَين الجماعتين، فمَن خرج عنهما لا ينتمى إلى الجماعة الوطنية. أما المعنى الثانى، فهو أنه لا يكفى أن تكون فقط اسميا عضوا فى إحدى الجماعتين الدينيتين، بل يجب عليك أيضا أن تكون ملتزما بكل تكاليف جماعتك الدينية. فتصوم رمضان لو كنت مسلما، وتلتزم بالامتناع عن الطعام والشرب خلال الجمعة العظيمة لو كنت مسيحيا. وبذلك يخلط هذا المعنى بين الانتماء الوطنى ودرجة الالتزام الدينى.
تتجاوز هاتان القاعدتان الدعابة، وتحكمان رؤية القطاع الأوسع من المصريين لشروط المُواطَنة فى مصر. فالتصور العام لدى غالبية المصريين عن مجتمعهم هو أن أفراده إما مسلمون، وإما مسيحيون. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل أنت مسلم أو مسيحى ملتزم بتعاليم عقيدتك الدينية وطقوسها، كشرطٍ لانضمامك عضوا إلى الجماعة الوطنية. يعبر المصريون عن هذا الأمر عادة لا عن طريق النكتة فقط، كتلك التى تحدثنا عنها، إنما أيضا بالصور التى يتعانق فيها الهلال والصليب، كما باللقاءات بين القيادات الدينية المسيحية والإسلامية، التى تأتى دوما تحت شعارات «الوحدة الوطنية»، وكأن الوحدة الوطنية هى فقط بين المسلمين والمسيحيين، وتمثلهم فيها قياداتهم الدينية.
لم يكن هذا حال المجتمع المصرى دوما، إذ عرفت مصر تنوعا دينيا يتجاوز المسلمين والأقباط قبل منتصف القرن الماضى. فدينيا، كانت مصر وطنا للمسلمين والمسيحيين واليهود، وهى إلى اليوم وطن لطوائف أخرى. كما أنها كانت أيضا وطنا لجاليات أوروبية وعربية على اختلاف مذاهبها الدينية، وقد كان الكثير منها جزءا من نسيج المجتمع المصرى. إلا أن هذا الأمر تغير منذ خمسينيات القرن الماضى، التى جرى التأكيد خلالها على مصر وطنا للمسلمين والمسيحيين فقط.
وقد حكمت هذه الصورة الذهنية لمعنى المُواطَنة تصورَ المصريين عن وحدتهم الوطنية خلال العقود السبعة الأخيرة. فيكفى أن تسأل مصريا، مسلما كان أم مسيحيا، عن فترات التماسك الوطنى، لتأتى الإجابة من دون تردد أنها كانت خلال حكم الرئيس جمال عبدالناصر. ولو سألت عن فترات التوتر، أتت الإجابة من دون تفكير أنها كانت فى عهد الرئيس أنور السادات. تشير هاتان الإجابتان إلى رؤية قاصرة لمفهوم التماسك الوطنى الذى يرى فيه الكثير من المصريين فقط العلاقة بين المسلمين والمسيحيين. وبهذا المعنى هم محقون. فلم تشهد فترة حكم جمال عبدالناصر توترا يُذكَر بين المسيحيين والمسلمين، بينما بدأ التوتر الطائفى بين المسيحيين والمسلمين فى سبعينيات القرن الماضى خلال عهد السادات. غير أن هذه الرؤية تغفل عن أن الفترة الناصرية، التى يرى فيها الكثيرون مرحلة ذهبية فى العلاقة بين المصريين، قد شهدت هى نفسها نهاية مكون دينى من مكونات المجتمع المصرى، أى المصريين اليهود، الذين رحل الكثير منهم عن مصر فى تلك الفترة، ولا سيما بعد العدوان الثلاثى عليها فى العام 1956.
• • •
هذه الرؤية للمجتمع المصرى لا تظلم المصريين غير المنتمين إلى الجماعتين المسلمة والمسيحية فحسب، بل تظلم المسيحيين والمسلمين أنفسهم أيضا. فصورة الوطن القائم على شراكة ما بين جماعتين دينيتين تفتح الباب للأسئلة حول وزن كل جماعة دينية، وحصتها فى هذه الشراكة، وعما إذا كانت تتوافق مع نسبتها أم لا، وهو الأمر الذى قد يفتح بابا للتوتر بين الجانبين. كما أن أى عمل مسىء يقوم به فرد من إحدى المجموعتين تجاه الآخر الدينى، يؤدى إلى توتر فى العلاقة بين الجماعتين، مثلما يحدث أحيانا فى بعض قرى الصعيد، ليهرع بعض رجال الدين من الجانبين لمحاولة احتواء الأزمة، وإعادة الود بينهما. فلا يُنظَر إلى الفرد، وما يقوم به من أعمال، على أنه هو المسئول فقط عن تصرفاته، بل تتحمل المسئولية جماعته الدينية برمتها. على الرغم من الاحتفاء بتدشين هذه العلاقة بين المسلمين والمسيحيين خلال العهد الناصرى، كانت هذه الرؤية التى ترسخت فى الستينيات هى نفسها أساس التوتر الطائفى الذى عرفته مصر منذ السبعينيات.
يستدعى البعض، للتدليل على رواية شراكة عنصرَى الأمة، شعارَ ثورة ١٩١٩، «عاش الهلال مع الصليب». لكن وإن كان هذا الشعار مُوفَقا فى وقته، حيث جاء ردا على محاولة المحتل الإنجليزى الوقيعة بين المسلمين والمسيحيين لتعطيل حصول مصر على استقلالها السياسى، فإنه لا يمكن أن يكون أساسا لمُواطَنة حقيقية فى مصر اليوم. فى المقابل، يضع شعارٌ آخر من تلك الحقبة الزمنية نفسها، فى إيجازٍ وبلاغة، أساسا راسخا للمُواطَنة، وهو شعار «الدين لله والوطن الجميع». يحلو للبعض أحيانا أن يساوى بين هذين الشعارين، إلا أن الفارق بينهما كبير. بينما يشير الأول إلى علاقة بين جماعتين دينيتين كأساس للمواطنة، يرى الثانى أن الوطن لجميع المصريين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية، وأن هذه المعتقدات أمر يخص علاقتهم بالله. الأول يرى الوطن اتحادا بين جماعتين دينيتين، أما الثانى فيؤسس لعلاقة بين أفراد يجمعهم الانتماء للوطن من دون النظر بالضرورة إلى الجماعة الدينية التى ينتمون إليها. لا يستطيع شعار «عاش الهلال مع الصليب» أن يبنى مُواطَنة حقيقية فى مصر اليوم، وهو يظلم المسيحيين والمسلمين أنفسهم بقدر ما يظلم المصريين غير المنتمين إلى هاتين الجماعتين الدينيين. فى المقابل، يقدم شعار «الدين لله والوطن للجميع» رؤية أكثر اتساعا وتسامحا للمجتمع المصرى كإطار يضم كل المصريين بصرف النظر عن معتقداتهم الدينية.

جورج فهمي أستاذ مساعد بالجامعة الأوروبية بفلورنسا
التعليقات