البلطجة فى بريطانيا - فهمي هويدي - بوابة الشروق
الثلاثاء 30 نوفمبر 2021 8:45 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

البلطجة فى بريطانيا

نشر فى : الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 - 8:55 ص | آخر تحديث : الثلاثاء 20 سبتمبر 2011 - 8:55 ص

اكتشف البريطانيون أن مجتمعهم متصدع من الداخل على نحو لم يألفوه أو يتوقعوه. وكانت أعمال الشغب التى اندلعت فى شهر أغسطس الماضى عقب قتل الشرطة لأحد الشبان السود، هى اللحظة التى فتحت أعينهم على السوس الذى ينخر فى عظام مجتمعهم، إذ وجدوا آلافا من الشبان البيض والملونين خرجوا إلى الشوارع معبرين عن السخط والغضب، الأمر الذى دفعهم إلى الاشتباك مع المواطنين ونهب المتاجر وسلبها، وتدمير المجتمعات المحلية. وقد بوغتت الشرطة ولم تستطع أن تتصدى لطوفان الغضب والشغب إلا بعد أن تم تعزيزها بقوات إضافية، حين زاد عددها من ستة آلاف إلى 16 ألف شرطى.

 

بعدما أفاقوا من الصدمة التى انطلقت شرارتها الأولى من منطقة توتنهام شمال لندن التى شهدت حادث القتل، انفتح الملف وأصبحت اسئلة المشهد على كل لسان، من فعلها ولماذا وما العمل؟ ولأن الغاضبين والمشاغبين استخدموا وسائل الاتصال الاجتماعى، مثل موقعى «فيس بوك» «وتويتر» وخدمة بلاكبيرى مسنجر، فى ترتيب وتوسيع نطاق عملية السلب والنهب، فإن اسئلة أخرى اثيرت حول حدود وضوابط استخدام تلك الوسائل، والمصالح والمفاسد التى تنشأ جراء ذلك.

 

اليمينيون اعتبروا أن الفوضى التى حدثت تشكل دليلا على أن السياسات الليبرالية التى اعتمدتها الحكومات المتعاقبة دمرت القيم البريطانية وانشأت مجتمعا منحطا وهشا، ومن ثم مسكونا بالنزوع إلى السخط والانفجار. أما اليساريون فقد أرجعوا أسباب الشغب والفوضى إلى شيوع القهر والظلم والتدهور الاقتصادى، والمشاكل المرتبطة بالمخدرات وتقليص إنفاق الحكومة على مشروعات الخدمات العامة. بكلام آخر فإن اليمينيين أرجعوا ما جرى إلى الأسباب السياسية فى حين أن اليساريين رأوا أن المشكلة تكمن فى الأسباب الاقتصادية والاجتماعية.

 

ديفيد كاميرون رئيس الحكومة وصف أعمال الشغب بأنها «مجرد عمل إجرامى»، وتحدث عن الانهيار الأخلاقى البطىء الذى حدث فى بريطانيا وعانت منه عدة أجيال خلال السنوات الأخيرة.

 

وقال إن منظومة القيم السائدة تعرضت للتآكل والانهيار فى بريطانيا، وترتب على ذلك أن الأجيال الجديدة أصبحت تتصف بالأنانية وقلة المسئولية. كما أن الأطفال صاروا بلا أهل، والمدارس أصبحت تخلو من الانضباط والحزم، وأصبح هناك من يكافأ دون جهد، ومن يجرم فى حق المجتمع بلا عقاب. ومن يطالب بالحقوق دون النظر إلى الواجبات، الأمر الذى أسهم فى الانفلات وجعل المجتمع خارجا على السيطرة.

 

فى حديثه عن علاج التصدع فى المجتمع البريطانى عول ديفيد كاميرون كثيرا على فكرة ترميم العائلة والاحتفاظ بتماسكها باعتبارها الحاضنة الأولى للأجيال الجديدة. وقال إن أية سياسات حكومية تضر بالعائلة ينبغى العدول عنها على الفور. ووعد بتحسين أحوال 120 ألف عائلة مضطربة، كما تعهد بشن حرب مفتوحة ضد ثقافة العصابات، وأيد الأحكام القاسية التى أصدرتها المحاكم بحق مناقشة الضالعين فى حوادث الشغب.

 

اثناء مناقشة الموضوع، تحدث كثيرون عن البطالة، وتبين ان نسبتها ليست افضل كثيراً من تلك الموجودة فى العالم العربى، اذ تجاوزت 20% فى اوساط الشباب بشكل عام، الا ان هذه النسبة تصل الى 50% بين السود. كما تبين ان واحدا من بين كل خمسة شبان ممن تتراوح أعمارهم بين 19 و24 سنة لا يحظى بعمل أو تعليم أو تدريب، وأن السخط وانعدام الفرص أمام الشباب الفقراء من العوامل التى تدفعهم إلى الانضمام إلى العصابات والاشتراك فى الأعمال الإجرامية ومن ثم زيادة معدلات البلطجة فى الشوارع البريطانية.

 

الطريف أن وزير الخارجية البريطانى وليم هيج كان قد انتقد أثناء الثورة المصرية لجوء الحكومة إلى قطع الاتصالات ومنع استخدام شبكات الهاتف المحمول، لكن رئيس الحكومة ديفيد كاميرون صرح فى أعقاب حوادث الشغب بأنهم سينظرون فى إمكان ضبط وسائل الاتصال الاجتماعى فى مثل الظروف التى وقعت، حتى لا يساء استخدامها من قبل جماعات الغاضبين. لكنه تعرض لحملة من الانتقادات جعلته يعدل عن ذلك الرأى.

 

الخلاصة أن المجتمعات الديمقراطية لها أسلوب آخر ومنطق مغاير تتعامل به مع حالات الانفلات أو الفوضى التى تثيرها بعض الفئات. هم هناك يحاولون أن يفهموا أسباب الظاهرة من خلال حوار مجتمعى واسع النطاق، ويتعاملون معها من منظور اجتماعى واقتصادى بالدرجة الأولى. لم يكتفوا بمحاسبة المتورطين حتى يأخذ القانون مجراه، وإنما حاسبوا أنفسهم أيضا ومارسوا بشجاعة نقداً ذاتياً لقيم مجتمعهم وسلبياته.

 

لقد أثارت اهتمامى التقارير التى نشرت عن الموضوع، ليس لأسباب معرفية فقط، ولكن لأننا نواجه ظروفا مشابهة. وحين قارنت بيننا وجدت أنهم هناك يناقشون ويحللون، فى حين أنهم عندنا يختصرون الطريق ولا يضيعون الوقت فى التفكير، ويقررون الطوارئ هى الحل.

فهمي هويدي فهمى هويدى كاتب صحفى متخصص فى شؤون وقضايا العالم العربى، يكتب عمودًا يوميًا ومقالاً اسبوعياً ينشر بالتزامن فى مصر وصحف سبع دول عربية اخرى. صدر له 17 كتابا عن مصر وقضايا العالم الاسلامى. تخرج من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961 ويعمل بالصحافة منذ عام 1958.