غزة.. السقوط المدوى للغرب - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 1:50 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

غزة.. السقوط المدوى للغرب

نشر فى : الجمعة 20 أكتوبر 2023 - 8:05 م | آخر تحديث : الجمعة 20 أكتوبر 2023 - 8:05 م
ها هى الحكومات الديمقراطية فى الغرب تسقط مجددا فى اختبار مصداقية القيم المعلنة واتساق معايير السياسات المطبقة فيما خص الحرب على غزة. وهى بسقوطها هذا ستسرع من بحث عالم اليوم بأقاليمه وبلدانه المختلفة عن قيادة بديلة لسفينته المضطربة سياسيا، واقتصاديا، واجتماعيا، وبيئيا.
• • •
رؤساء وقادة الحكومات الغربية، وهم يحجون اليوم الواحد تلو الآخر إلى تل أبيب ويتهافتون على التقاط الصور والمؤتمرات الصحفية المشتركة مع بنيامين نتنياهو ووزراء حكومة الحرب الإسرائيلية، يدينون بأشد العبارات الممكنة هجمات حماس التى قتلت فى ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ أكثر من ١٣٠٠ من الأطفال والنساء والرجال ويصفونها كجرائم إرهابية تستدعى ملاحقة مرتكبيها وتلزم الدولة العبرية بالدفاع عن نفسها.
أما حين يأتى بايدن ورفاقه إلى غزة وآلاف الضحايا من الأطفال والنساء والرجال الذين اقتربوا من ٤ آلاف والمصابين الذين تجاوزوا ١٠ آلاف، فإنهم يمتنعون عن إدانة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التى ترتكبها آلة القتل الإسرائيلية المدفوعة بنزوع انتقامى شرير وبشهوة تدميرية لم تنقطع منذ اليوم التالى لهجمات حماس. يمتنعون عن إدانة جرائم إسرائيل، ولا يطالبون نتنياهو وحكومة حربه سوى بشىء من «مراعاة» قواعد القانون الدولى للحروب و«محاولة» الابتعاد عن استهداف السكان المدنيين الفلسطينيين.
تسارع الولايات المتحدة بإرسال المساعدات العسكرية لإسرائيل، والأخيرة لا تحتاجها بمستويات تسليحها المتفوقة ليس فقط على حماس، بل على كل الدول العربية مجتمعة، وترسل حاملات طائرات وقطعا بحرية إلى شرق المتوسط لترهيب قوى إقليمية كإيران وحركات مقاومة كحزب الله وإبعاد احتمالية توريط إسرائيل فى جبهات قتال إضافية، والأخيرة لديها من القدرات العسكرية والتكنولوجية واللوجيستية ما مكنها خلال السنوات الماضية من توجيه ضربات متتالية لإيران وحلفائها فى الشرق الأوسط. تفعل الولايات المتحدة كل ذلك لأنها تريد أن تشهد العالم أنها تنحاز إلى إسرائيل وتساند نزوعها الانتقامى وشهوتها التدميرية ولا تمانع فى جرائم الحرب المترتبة عليهما ولا تعنيها أعداد الضحايا والمصابين بين الشعب الفلسطينى.
تلحق بقية الدول الغربية بالقطار الأمريكى الذى صار سريعا محملا بمساعدات عسكرية واستخباراتية ولوجيستية وبمليارات الدولارات الموعودة كمساعدات اقتصادية، فتعلن عواصم أوروبا الكبرى عن حزم مساعدات مشابهة وتقدمها «قرابين» على مذابح وعتبات مسئولى حكومة الحرب إما فى مشاهد «الأحضان الدافئة» فى مطار بن جوريون أو فى وقائع المؤتمرات الصحفية فى فنادق القدس التى اغتصبت احتلالا واستيطانا عاصمة أبدية للدولة العبرية.
أما الشعب الفلسطينى فى غرة المحاصرة منذ ما يقرب من عقدين كاملين والذى يعيش أغلبيته (يتجاوز تعداد سكان غزة مليونى نسمة) تحت خط الفقر ويعانون منذ ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ من الهجمات الوحشية المستمرة للجيش الإسرائيلى التى دمرت أحياء بأكملها وهجرت الناس داخليا ويواجهون جريمة الحرب مكتملة الأركان المتمثلة فى قطع المياه والكهرباء والطاقة عن القطاع، فهؤلاء يقطع عنهم الغرب المساعدات الإنسانية.
وفى ٨ أكتوبر ٢٠٢٣، أعلنت كل من دولة السويد ودولة الدنمارك قطع مساعداتهما الإنسانية والتنموية لغزة. وساومت الإدارة الأمريكية ومعها بعض الحكومات الأوروبية مصر على فتح معبر رفح لإخراج المواطنين الأمريكيين والأوروبيين العالقين فى غزة دون السماح لقوافل المساعدات الإنسانية المحتشدة على الجانب المصرى من رفح بالدخول لنجدة ملايين الفلسطينيين والفلسطينيات، دون اعتبار للوضع الإنسانى الكارثى فى القطاع الذى شرد به ما يتجاوز المليون من سكانه ودمرت به مرافق أساسية وتوقفت بعض مستشفياته عن العمل وصار به من غير اليسير تأمين الأكل والشرب والوقود والاحتياجات اليومية الأخرى. وحين اشترطت مصر لخروج حملة جوازات السفر الغربية التزام الحكومة الإسرائيلية بإدخال المساعدات وبتواصلها حماية لأرواح الناس، لم يحصل الغرب من حليفته المدللة سوى على ضمانات جزئية وهو ما ردت عليه مصر بمشروطية صريحة وشجاعة تربط بين أعداد من يخرجون من الأمريكيين والأوروبيين وبين أعداد شاحنات المساعدات الإنسانية التى ستدخل إلى غزة وترهن استمرارية خروج الأفراد باستمرارية دخول المساعدات.
• • •
فيما خص ما تعتبره الحكومات الغربية دفاعا شرعيا لإسرائيل عن نفسها وهى تقتل وتشرد وتدمر فى غزة وتعلن عن توجهها نحو حرب طويلة «لاجتثاث حماس والفصائل الأخرى» ويصدر جيشها أوامر تهجير لأكثر من مليون فلسطينى وفلسطينية من شمال القطاع إلى جنوبه ويصرح مسئولون حاليون وسابقون من نخبة حكمها بإمكانية تهجير أهل غزة إلى مصر مستبيحين سيادة بلادنا وملوحين بنكبة ثالثة للشعب الفلسطينى بعد تهجير ١٩٤٨ و١٩٦٧، فإن الغرب يراوح بين تجاهل جرائم إسرائيل وهى لا تمثل إلا عقابا جماعيا إجراميا للشعب الفلسطينى وتخليا يتناقض بالكامل مع قواعد القانون الدولى لمسئوليات الدولة العبرية كسلطة احتلال لا يحق لها لا القتل والتشريد والتدمير ولا قطع المياه والكهرباء والطاقة والاكتفاء على لسان بايدن ورفاقه المهرولين إلى تل أبيب بالمطالبة على استحياء بعدم استهداف السكان المدنيين، وبين إعلان التأييد السياسى الصريح لتوجه إسرائيل نحو حرب طويلة وإخراج لحماس وحلفائها من القطاع.
ولكارثة التواطؤ الغربى هنا شقان، أولهما هو إعطاء إسرائيل الضوء الأخضر للشروع فى حربها التى لن تكون غير حرب إبادة وثانيهما هو تعطيل العقل السياسى للحكومات الغربية الذى يدرك أن استئصال حماس كحركة مقاومة تظل، مهما أدنتُ ومعى آخرون مخالفتها لقواعد القانون الدولى التى تنظم الأفعال المشروعة لمقاومة المحتل ومن هذه القواعد ما يمنع بصفة إطلاقية قتل واختطاف المدنيين والمدنيات ومهاجمة المرافق العامة والخاصة والسكان المدنيين ويصنفها دون لبث كجرائم حرب، متجذرة فى الواقع المجتمعى والسياسى الفلسطينى فى غزة ولها امتداداتها فى الضفة الغربية والقدس الشرقية.
فى المقابل، تترك الحكومات الغربية الشعب الفلسطينى يواجه العقاب الجماعى الذى تنزله إسرائيل به دون أدنى أشكال الحماية الدولية التى تعطل فرصها برفض مشروع القرار الروسى ثم القرار البرازيلى فى مجلس الأمن الأممى لتطبيق وقف فورى لإطلاق النار فى غزة لأسباب إنسانية. يتركون أكثر من مليونى فلسطينية وفلسطينى ضحية جماعية لجرائم دولة الاحتلال والفصل العنصرى والحصار، ويختزلون الأمر فى مساعدات إنسانية ترفض حليفتهم المدللة دخولها إلى القطاع. بل إن الدبلوماسيات الغربية تتحايل على مسئوليتها الأخلاقية والسياسية وتبحث عن تغييب واقع التواطؤ الكامل مع إسرائيل بمقولات غير قانونية وخطيرة عن «ممرات آمنة» لتهجير الفلسطينيين والفلسطينيات من القطاع باتجاه سيناء، وكأن سيادة مصر الوطنية أضحت ملكا للغرب المتغطرس وأداة لتمكين حليفته العبرية من تنفيذ جرائمها.
الحقيقة التى يتعين على الغرب الرسمى الذى ينظر بعنصرية إلى الشعب الفلسطينى وكأنه بشر من الدرجة الثانية لا حقوق لهم ويتعامل بغطرسة مع السيادة الوطنية المصرية واستقلالية القرار المصرى، هى أن الشعب الفلسطينى لن يقبل بتهجير جماعى جديد ولا بنكبة ثالثة وأن مصر، شعبا وحكومة وجيشا، على استعداد لحماية السيادة الوطنية بكل ما أوتيت من عزم.
• • •
فى كل هذه السياقات والمضامين، تسقط الحكومات الغربية أخلاقيا وسياسيا وتخسر عالميا إن بغياب مصداقية قيمها الديمقراطية التى تمتهن كل يوم بانحيازها الأعمى لإسرائيل ودفاعها عن جرائمها أو بغياب الاتساق مع قواعد القانون الدولى التى تتشدق بها فى حالة الحرب الروسية ــ الأوكرانية عن تأييدها لدولة احتلال وفصل عنصرى وحصار تعاقب الشعب الفلسطينى جماعيا ولا يحاسبها أحد.
ليواصل الغرب السقوط الأخلاقى والسياسى، ففى ذلك تسريع لوتائر البحث عن قيادة عالمية بديلة وخلاص مستحق للبشرية المعاصرة من ظلم حكومات الغرب وعنصريتها.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات