إمام عبدالفتاح إمام.. مترجم الوجودية - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 11:26 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

إمام عبدالفتاح إمام.. مترجم الوجودية

نشر فى : الجمعة 21 يونيو 2019 - 9:35 م | آخر تحديث : الجمعة 21 يونيو 2019 - 9:35 م

كان من المقرر أن أواصل الكتابة عن رحلة البحث عن (القاهرة التى كانت والقاهرة التى عاشت)، كما كنت أخطط، لولا أن شهد الأسبوع المنصرم رحيل واحد من كبار مثقفينا وأساتذتنا الأكاديميين المرموقين، وصاحب إنجاز ضخم؛ تأليفا وترجمة وتدريسا، أستاذ فلسفة كبير وقدير، وباحث مخضرم ترك وراءه أعمالا مؤلفة ومترجمة تستحق البقاء، ولا أتصور أحدا اشتغل بالعلوم الإنسانية، والفكر والثقافة عموما، ولم يتصل ولم يفِد بصورة أو أخرى من واحد من هذه الأعمال المرجعية المهمة.

عن الراحل الكبير الدكتور إمام عبدالفتاح إمام (1934ــ2019) أستاذ الفلسفة المعروف، والمترجم الكبير وأحد المعابر والجسور المعرفية الكبرى التى نقلت تراث هيجل إلى اللغة العربية؛ وصاحب المؤلفات الكبرى فى التيارات والمذاهب الفلسفية؛ وعلى رأسها تيار «الوجودية» التى ساهم إمام عبدالفتاح إمام بالتعريف بها وبسياقها المعرفى والثقافى وأعلامها الكبار ونصوصها التأسيسية كما لم يقدمها أحد مثله فى الثقافة العربية المعاصرة.

وبغض النظر عن أى لغط دار حول غزارة أعماله أو التباس أنشطته بين التأليف والترجمة والتبسيط والشرح، فثمة أعمال ليست بالقليلة، فى حدود ما قرأت، تشهد بطول الباع ودقة البحث واتساع الأفق والقدرة على صياغة وشرح أفكار ومفاهيم مركبة ومعقدة غاية التعقيد (بحكم طبيعتها وسياقاتها الفلسفية والمعرفية) بلغة عربية ناصعة وسليمة ومفهومة.

وجهود المرحوم إمام عبدالفتاح إمام، فى تيسير الثقافة الفلسفية والمعرفية للناشئة والأجيال الجديدة، من خلال تأليف الكتب المبسطة عن مفاهيم فكرية وثقافية «التنوير» و«ما الفلسفة؟».. إلخ، فضلا على إشرافه وترجمته على سلسلة الكتب المصورة (أقدم لك) التى تصدر عن المركز القومى للترجمة، كلُّها أشهر من أن يعرف بها أو يعاد ذكرها، وهى فى كل الأحوال تشكل مكتبة ضخمة غزيرة العدد عالية القيمة.

لكن بين إسهاماته العديدة ومؤلفاته الغزيرة، احتل كتابه «الطاغية ــ دراسة فلسفية لصور من الاستبداد السياسى» الذى صدر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية (مارس 1994)، مكانته فى الثقافة العربية المعاصرة؛ بين الدراسات والكتب المرجعية فى بابه، باعتباره من أهم الكتب (مع كتاب «وعاظ السلاطين» لعالم الاجتماع العراقى الراحل على الوردى) التى عالجت ظاهرة الطغيان والاستبداد وفساد الأنظمة السياسية، ويطرح تصنيفات دقيقة لأشكال الديكتاتورية عبر العصور؛ منذ عهود التاريخ القديمة حتى التاريخ المعاصر، مرورا بالتاريخ العربى والإسلامى الوسيط.

هذا الكتاب الذى جاء، كما يقول الدكتور عبدالسلام الشاذلى، «ثمرة طبيعية لدراسة إمام عبدالفتاح إمام؛ لموسوعة هيجل ولفلسفة التاريخ، وظاهرات العقل؛ والصراع بين السيد والعبد»، يعرض بذكاء لنماذج دامغة من الطغيان طوال التاريخ، ولبعض النظريات الفلسفية التى تفسره، مع التركيز على الطغيان الشرقى (لأنه يهمنا بالدرجة الأولى!). ثم يقترح حلا بسيطا يكسبنا مناعة ضد الطاغية، ويمكننا من الإفلات من قبضته الرهيبة «وهو الإيمان الحقيقى بالديمقراطية، والسعى الجاد إلى تطبيقها».

هذا الكتاب قرأته للمرة الأولى وأنا فى الجامعة (أظن عام 1997)؛ أى منذ ما يزيد على عشرين عاما! وتوقفتُ طويلا أمام الفصل الذى خصصه المرحوم إمام للطاغية «يرتدى عباءة الدين فى العالم الإسلامى». استهل إمام هذا الفصل بمقدمة بدتْ لى غريبة حينها؛ إذ كأنه كان يقدم اعتذارا مسبقا لتبرير ما سيورده من وقائع مثبتة فى كتب التاريخ الإسلامى «المعتمدة» من فقهاء ومحدثى السنة عن تجارب الحكم والخلافة. وكانت المرة الأولى التى أقرأ فيها التناقض الرهيب بين ما يتم تصديره من أفكار براقة ومثالية تخطف قلوب العامة وتستميل أفئدتهم وبين الواقع الأسود المرير.. واقع راح ضحيته مئات الألوف من المسلمين فى صراعات ومعارك وحروب، وكل طرف أو فريق يرفع راية «الحق»، ويعلن أنه «الفرقة الناجية»، أو فى المقابل ستجد من يقول «هذا قميص سربلنيه الله.. ولن أخلعه أبدا».. أو من يقول «أحكم بعهد الله.. وأنا ظل الله فى أرضه».. تذكرتُ هذا الكتاب الذى استدعى إلى الذاكرة أيضا ما يكتبه أنصاف المتعلمين وأرباع الذين يدعون أنهم «دعاة»، ويستحلون التصدى لكتابة «التاريخ كما يتصورونه» أو التاريخ «كما يزورونه»..

رحم الله إمام عبدالفتاح إمام وغفر له، وجازاه خير الجزاء عما قدَّم وألَّف وترجم وعلَّم وأفاد به الألوفَ.

التعليقات