الجداريّات.. رؤية تاريخيّة وجماليّة - العالم يفكر - بوابة الشروق
الإثنين 17 يونيو 2024 9:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

الجداريّات.. رؤية تاريخيّة وجماليّة

نشر فى : الجمعة 22 مارس 2024 - 7:30 م | آخر تحديث : الجمعة 22 مارس 2024 - 7:30 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب محمّد غبريس، يقول فيه إن جدران الأحياء والساحات التى تتزين بالرسومات والعبارات هى فن عالمى يعكس حال الشعوب وتاريخها، إذ تحمل هذه الرسومات رسائل سياسية وثقافية يسعى الفنانون لإيصالها بالرسم والكتابة على الجدران. ويوضح الكاتب أن لهذا الفن أنواعا عديدة طبقا لأهدافه، فمنها: الفن الثورى والمقاوم للاحتلال، والفن التجميلى (تزيين المدن)، والفن الإرشادى والتوعوى. أخيرا، يتميز هذا الفن بوجوده خارج إطار المعارض مما يتيح فرصة لعموم الناس رؤيته وإدراك رسالته... نعرض من المقال ما يلى:

ها نحن نقف بحُريّة وتأمُّل ودهشة أمام هذه الجدران الممتدّة فى المُدن والأحياء والساحات، كأنّها صورٌ ملوّنة من خزين الذاكرة وشجون اليوميّات واللّحظات المشبّعة بالوعى والتجدّد، ونحن حين نعبر الطرقات والجسور، ونتجوّل بين المبانى والبيوت والمعالِم القديمة التى تبعث بجداريّاتها وألوانها على الحُلم والرؤية والتمرُّد، فإنّنا نحاول أن نقرأ التاريخ بعيون الفنّ، ونخترق حاجزَ الصمت إلى فضاءات العيش، ونُعانِق الوجود بكلماتٍ توقظ كوامن النَّفس وتُصلِح عطب الروح.
كلّما نظرنا إلى هذه الجداريّات التى أبدعتها أناملُ فنّانين عباقرة ومواهب فذّة، اتَّسعت الرؤية، وارتقت ذائقتُنا، واغتنت عواطفُنا وانفعالاتُنا، ووجدنا فيها النافذة التى تطلّ على الحقيقة، أو الضياء الذى ينزع الحُجب عن الفكر؛ إنّها جداريّاتٌ مثقلة بالألم، تملأ الزمن بقصصها ورموزها، وتَجعل من المكان مسيرةَ نضالٍ وإرادة، تُعبِّر عن الأحزان كما الأفراح، وعن التراث كما الحداثة، هى من الناس إلى الناس، من تطلّعاتهم وأحلامهم وتأمّلاتهم وأوجاعهم، هى وحدها الصوت الذى يصعد من تحت ركام الصمت وينسكب شلّالَ عنفوان، وحدها الحركة التى تنبثق من الجماد وتُزهر ألوانا وحروفا، وهى الفكرة التى تولد من لغة الأسوار والأغلال لتتحوّل إلى منارة للحريّة لا تنطفئ.
والمُتأمّل فى الجداريّات، سيتعرّف إلى أنواعٍ مختلفة ذات غاياتٍ وأهداف، فمنها ما هو مُقاوِم وثورىّ (مُقاوَمة الاحتلال)، ومنها ما هو تجميلىّ (تزيين المُدن)، ومنها ما هو تشكيلىّ (لوحات نابضة بالحياة والطبيعة)، كذلك سيتعرّف إلى جداريّات على شكلِ نُصبٍ ومنحوتاتٍ (نصب الحريّة فى ساحة التحرير فى بغداد)، وأيضا على شكل وسائل إرشاديّة وتعليميّة وتوعويّة (مخاطر الأمراض وأهميّة النظافة). وهناك أيضا جداريّات تتضمَّن عباراتٍ تحفيزيّة وتشجيعيّة عن النجاح والعمل والحياة، إضافة إلى ذلك، ثمّة جداريّات تلعب دَورا توثيقيّا بهدف استرجاع أحداث الماضى.
إنّ أهمّ ما يميّز هذا الفنّ العالَمىّ هو وجوده خارج المعارض والجاليريهات وأنّه غير مرتبط بالوقت، يتركّز على واجهاتِ المبانى والجدران، وغالبا ما يحمل رسالةً سياسيّة وثقافيّة. لذا يُمكن مشاهدة ومتابعة إنجاز أىّ جداريّة من البداية حتّى النهاية بشكلٍ مباشر، سواء كان العمل فرديّا أم جماعيّا، والتعرّف إلى الطريقة والتقنيّات التى يَستخدمها الفنّانون فى رسمها، والاطّلاع على أفكارهم وإبداعاتهم والرسائل التى يريدون إيصالها.

• • •
اكتسبت الجداريّات أهمّيةً كبيرة منذ العهود الأولى، كونها تُعَدّ من أَقدم أشكال الإبداع الفنّى والنَّحتى والزخرفى فى التاريخ، وفيها من الحوامل الفنّية ما تَجعل المساحات الجامدة تضجّ بالحركة والجمال. فعبَّرت عن الحياة والموت، ووثَّقت الطقوس والعادات الدينيّة، لكنّها فى السنوات الأخيرة برزتْ بشكلٍ كبير، وخصوصا فى البلدان التى تعانى الاحتلال والظلم، وتَشهد حروبا وصراعات، حيث عبّر الناس عن قضاياهم وآلامهم وتوقهم إلى الحريّة، ودافعوا عن عنفوانهم وكرامتهم كخطوةٍ منهم فى إيصال أصواتهم، وكنَوعٍ من التحدّى والصمود والبقاء. من هنا اتَّخذ فنّانون فلسطينيّون من الجدران فى المُدن والقرى والمخيّمات، وحتّى جدار الفصل العنصرى، وسيلةً للمقاومة والثورة والانتفاضة؛ فمنهم من رَسَمَ القدس والمسجد الأقصى، ومنهم مَن رَسَمَ صورا للشهداء وحكايات النضال والبطولة والفداء، وبعضهم اتّخذ منها وسيلة لتلسيط الضوء على قضيّة الأسرى فى السجون الإسرائيليّة، فجسّدوا مُعاناتهم وآلامهم وتضحياتهم.

• • •

والمُتتبّع لهذا الفنّ يُمكن أن يشاهد جداريّات مرسومة بريشة فنّانين كبار، وأخرى من أعمال هواة كان لهم دَورُهم البارز فى جعْلِه فنّا شعبيّا؛ فهُم يُترجِمون الواقع بكلّ معانيه ويَرسمون مستقبلا يصبون إليه يتّسم بالحريّة والأمان والاستقرار. فقد غيَّرت الجداريّات وجهَ المُدن، وحوّلت الشوارع إلى لوحاتٍ تشكيليّة باهرة، وجَعَلَتْها حيّة نابضة بالألوان والكلمات والصور، تُجسِّد الحياة والتعايُش والسلام، وتَحمل قيَما جماليّة ومعانى نبيلة، وتُبرِز القضايا الرّاهنة فى مجالات السياحة والتراث والصحّة والبيئة.
وتكشف الجداريّات برسومها ورموزها ودلالاتها عن تلك العلاقة بين الإنسان والبيئة، وبين القصيدة والمكان، وبين اللّغة والإبداع، وقد تتّخذ أبعادا وأشكالا متنوّعة. فالنصوص التى حملت عناوين «جدارّيات» لا تقلّ أهمّيةً وتأثيرا عن تلك التى ملأت الحوائط والشوارع والأماكن، وجميعها يتميّز بمضمونٍ فكرىّ وثفافىّ ورؤيةٍ تاريخيّة وجماليّة وفنّية. إنّها تعكس ما فى دواخلنا من قلق وشغف وأسئلة، وتنقل أحاسيسنا وانفعالاتنا وهمومنا، لعلّها تصوّر جانبا من حياتنا وأحوالنا ويوميّاتنا، لتظلّ شاهدةً على المُعاناة وويلات الحرب وقسوة التاريخ، ولتظلّ ذاكرةً حيّة تستعيد الماضى وتقرأ الأحداث برؤىً ومساراتٍ جديدة.
اختلفت طبيعةُ الجداريّات، لجهة تعبيرها عن الشعوب، وباتت أكثر وضوحا، وخصوصا فى المرحلة المُعاصرة والحديثة. وهذا ما أشار إليه د. ماضى حسن فى كتابه «الفنّ وجدليّة التلقّىّ» قائلا إنّ الجداريّات العربيّة تحكى مضامينها فى مجالٍ مفتوح أمام المجتمع العامّ من خلال عرضها فى أماكن فى الطرق وأمكنة التجمّع، من حدائق وأبنية كبيرة. ولقد تجّسد ذلك عند بعض الدول العربيّة بأثر الأحداث الحالية منها: قيام الثورات فى تونس ومصر حتّى أُطلق مصطلح «حرب الحوائط»، حيث كان الفنّ قادرا على توصيل رسالة الشعوب إلى الحُكّام، وكان الأمر فى ليبيا أيضا؛ وهكذا تحوّل هذا الفنّ من أداةٍ فى يد الحُكّام إلى فنٍّ احتجاجىّ، غالبا ما يَعكس اعتراضا على الأوضاع السائدة.
أخيرا حين نتحدّث عن الجداريّات، فلا بدّ من أن نشير إلى الدور الذى لعبته الفنون القديمة فى إثراء فنّ التصوير الجدارى أو النقوش الجداريّة، وهى ما زالت سائدة حتّى اليوم، وتنتمى إلى الحضارات والأُمم القديمة، كالحضارة الرافدينيّة والمصريّة والهنديّة والصينيّة واليابانيّة؛ وتحتوى فى الغالب على أساطير ومشاهد حياة وقصص تاريخيّة، كانت تُرسَم فى المعابد والمقابر، ثمّ فى قصور الملوك. أمّا الحضارة الإسلاميّة فكان لها نصيبٌ وافِرٌ من الجداريّات تمحورت حول الفنون المعماريّة كزخرفة المساجد والمراقد الدينيّة ونقشها بالكلمات والمُنمنمات والآيات القرآنيّة والكتابات الشعريّة، فكانت خير وسيلة للتعبير عن أنماط الحياة والتفكير والسلوك وطبيعة المُجتمعات والمضامين الاجتماعيّة والفكريّة والثقافيّة.

النص الأصلي

التعليقات