القاهرة فى الحادى والعشرين من مارس 2026، أصحو مبكرا على أخبار الحرب وأحزمة النار التى تحيطنا من كل اتجاه، فيسجل مؤشر القلق الداخلى ارتفاعا ملحوظا، يحرمنى من مواصلة النوم فى هذا اليوم الذى قررت أن يكون يوما هادئا – لكن هيهات – فالحرب الدائرة فى ساحات المعارك الممتدة شرقا وغربا وشمالا وجنوبا تأبى إلا أن تعكر صفو ثانى أيام العيد، وسخافات الحمقى على وسائل التواصل الاجتماعى تصب مزيدا من الزيت على النيران المشتعلة بفعل فاعل خبيث لا يريد بنا خيرا.
فما العمل؟
لا بأس فلنواصل حياتنا على ذات المنوال، رأس مشغول مزدحم بالتفاصيل ومتابعة الأخبار، وقلب شغوف يبحث عن لحظات بهجة صعب بلوغها.
قبل الغروب يزدحم المنزل بأفراد العائلة، حضروا جميعا، حتى «الراحلون» منهم كانوا فى الموعد المعتاد، يشاركوننا فرحةَ تَجَمُّعِ ثانى أيام العيد الذى يصادف يوم «عيد الأم».
أمى كانت حاضرة بكامل جمالها وجلالها، مسحت على رأسى وقرأت ما تيسر لها من القرآن، فيما كان أبى يتابع وهو يهمس باسما: هذا الرأس هو سبب كل ما تعانيه، أما القلب فما زال غضا وبريئا كقلوب الأطفال.
فى فجر يوم التاسع عشر من أغسطس 1973 شعرت الأم ببعض المغص فعرفت بخبرتها فى الحمل والولادة لخمس مرات سابقة أن الجنين الذى احتضنته لشهور تسعة قرر الخروج إلى الحياة، كان حجمه أكثر قليلا من المعتاد، وكبر حجم الجنين يبشر بولادة صعبة، هكذا كان الاعتقاد السائد، وهذا ما حدث بالفعل إذ أمضت الأم ساعات حتى أذن الله أن تتم الولادة على خير ويخرج إلى النور طفل «مكلبظ» بوجه باسم ورأس كبير به اعوجاج بسيط عالجوه بربطه بمنديل قطنى ليرد له استدارته الطبيعية ـــــ سيمتد أثر هذا الاعوجاج وذاك العلاج دهرا، ففى كل مرة كانت الرأس تميل قليلا جهة اليمين أو اليسار بدوافع التمرد التقليدية كانت النشأة تردها إلى استدارتها الطبيعية لتتنحى مكتسبات التمرد وتبقى طبيعة النشأة، سموه «سمير» على اسم خطيب الطبيبة الشابة «نجوى» التى كانت يداها الحانية أول ما لمس جسده فور خروجه للحياة.
سيكون له فيما بعد نصيبا من اسمه، وسيكون لمن سُمِى على اسمه حضورا دائما فى تفاصيل حياته.. إذ حمل الطفل الصغير لقب دكتور، وتمنى له الجميع أن يصبح طبيبا.
وبمرور الوقت أدرك الصبى الذى بدأ وعيه فى التشكل أن صلة ما تربطه بفعل الكتابة، وأن أذنيه تأخذانه بعيدا نحو اكتشاف الموسيقى الساكنة فى حروف الهجاء، وبدأ فى الاستمتاع بالقصائد المغناة حتى ولو لم يدرك بعض معانيها، ومنحته الحياة فى بيت العائلة المزدحم بالشباب والشابات فرصة التعرف على من يكبرونه بسنوات وسرعان ما أصبحت دائرة معارفه هى ذاتها دائرة صداقات أشقائه وأبناء عمومته الأكبر سنا، فصار الصبى شابا قبل أن يبلغ أشده.
فى هذه السنوات رأى الصبى أن موهبته الآخذة فى التطور تمنحه موقعا مقدرا بين الكتاب والأدباء، ولكن ما العمل فى هذا الحلم القاضى بأن يصبح طبيبا؟
لا بأس فقد كان يوسف إدريس طبيبا وأديبا مرموقا، وقد كان مصطفى محمود طبيبا وأديبا، وقبلهما كان إبراهيم ناجى شاعرا وطبيبا.
يقرأ الصبى فى تلك الآونة ما نسب ليوسف إدريس من أن الطبيب إذا اشتغل بالكتابة والأدب يكون قادرا أكثر من غيره على رسم شخصياته وإدراك مواطن القوة والضعف فيها، لأنه بحكم عمله يرى الإنسان فى لحظات ضعفه، يعجبه هذا الرأى وتتسع دوائر الاهتمام لديه بما أبدعه يوسف إدريس، وما يكتبه مصطفى محمود.
يا ألله، الآن قد تجاوز الطفل الخمسين وقد عاش سنوات عمره محاطا بعناية الله، مشمولا بكرمه، محفوظا برعايته، إذ منحه الحياة فى ظل مثلث الحب والبهجة والسكينة.
فى البدء كانت أمى التى علمتنى أن أحب دون مقابل، وأن أعطى دون انتظار الرد، وكانت شقيقاتى الثلاث اللاتى أخذت كل واحدة منهن قطعة من أمى، الكبرى «وفاء» التى أخذت من أمى حنانها، والوسطى «عزة» التى حملت من أمى قلقها الدائم علينا، والصغرى «سناء» التى احتفظت لنفسها بلحظات شدتها النادرة، ثم جاءت زوجتى "الآية" التى ملأت حياتى نورا وسكينة، وحماتى التى أحبتنى فكنت لها ابنا ثالثا.
وقد عشت بفضل الله محاطا بكل هذا الحب حتى رزقت ببناتى الثلاث «جنة» أمى الصغيرة، و«سلمى» صاحبة العصمة، و«أريج» صانعة البهجة فاكتمل سياج الحنان الواقى من كل كدر.
نعم هذا هو ثانى أيام عيد الفطر وهو كذلك يوم عيد الأم -ألف رحمة ونورعلى أمى وحماتي- فلنسعد بالعيدين رغم أنف الحرب ومن أشعلوها ونسأل الله الأمن والسكينة للإنسانية كلها.