إعادة اختراع العراق - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 17 نوفمبر 2019 3:59 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما توقعك لنتائج منتخب مصر في كأس الأمم الأفريقية تحت 23 سنة؟

إعادة اختراع العراق

نشر فى : الأحد 22 يونيو 2014 - 7:45 ص | آخر تحديث : الأحد 22 يونيو 2014 - 11:14 ص

يكتبون عن الحرب أو بالأحرى على هامش الحرب. أي حرب؟ لا يهم. ما يمر بالعراقيين منذ عقود يكفي لإمداد الأدب بنصوص فريدة لمدة قرن من الزمان، سواء تعلق الموضوع بالحرب مع إيران في الثمانينات أو مع الكويت سنة 1990 أو غزو قوات التحالف للعراق و سقوط بغداد في 2003 أو "المرحلة الانتقالية" التي يعيشونها منذ 11 عاما، أو المجهول الذي ينتظرهم. يتبدل خوف بخوف، و قلق بقلق، فيكتبون قبل أن يداهمهم الوقت أو الموت... كمن يريد تسجيل اللحظة كي لا تتبخر إلى الأبد أو تنساب بين يديه... كمن يسعى لإحياء الأموات و لملمة المتبعثر: أشلاء وطن و ذكرياته. و بالتالي انقلبت القاعدة، و طغت الرواية العراقية على الشعر و انتعشت بشكل غير مسبوق، منذ نهاية التسعينات، فهي القالب الأنسب ربما لرصد التطورات السياسية و الاجتماعية و الثقافية التي تلحق بأي بلد و لوصف الكابوس العراقي.

•••

فراق و منافي و انتظار و طائفية و أزمة هويات و عنف ومغالاة و أقليات و تعددية ثقافية... موضوعات و معاني عدة يتم أنسنتها داخل الرواية العراقية الحالية، التي يطلق عليها البعض "الجديدة" أو "رواية ما بعد التغيير"، لا تهم التسمية، بل المهم هو بزوغ أسماء على الساحة العربية و الدولية لروائيين عراقيين، مثل سنان أنطون و إنعام كجه جي و أحمد سعداوي و علي بدر و غيرهم كثر، ليحصدوا الجوائز الأدبية و يلفتوا الأنظار بلغتهم البسيطة و الجزلة في آن وطريقتهم في السرد التي تختلف عن سابقيهم. نجحوا إلى حد كبير في التعبير عن تعقيد الشخصية العراقية التي تنادي بقيم الصحراء من غلبة و فخر بالقبيلة و العشيرة و تتوق كذلك إلى التمدن و الحضارة و الاستقرار، أي كما وصفها عالم الاجتماع الجليل- علي الوردي: " العراقي يعشق مثل روميو و يتزوج مثل الملا عليوي!"، و لكنه أيضا يعيش مع شبح الموت منذ سنوات أو في غربة المنفى. هؤلاء الكتاب يحضرون "الأرواح الكسيرة" و يرممون ذاكرة تتبدد، يستجمعون إرثا "طشاريا" كما تقول إنعام كجه جي التي اختارت لروايتها الأخيرة اسم "طشاري"، نسبة إلى الطلقة الطشارية التي يستخدمها الصيادون لإصابة أكبر عدد من الأهداف نظرا لأنها تنفلق و تتوزع في عدة اتجاهات، كما هو حال العراقيين الآن. هذه الرواية جاءت في القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية، كما سابقتها "الحفيدة الأمريكية" التي نافست هي الأخرى للحصول على الجائزة نفسها عام 2009... كلاهما تتحدثان عن نساء عراقيات في المهجر، مثل كجه جي التي تعيش في باريس منذ أكثر من ثلاثين عاما، فالهجرة كما جاء على لسان زينة- الفتاة الآشورية بطلة "طشاري"- "هي استقرار هذا العصر، و الانتماء لا يكون بملازمة مسقط الرأس"...ذات المعنى الذي تؤكد الكاتبة عليه دوما منذ روايتها الأولى " سواقي القلوب" عن قصة لاجىء عراقي بباريس يعيش غريبا في المدينة.

•••

و كما تحاول شخصيات "طشاري" اختراع عراقا آخر على مواقع التواصل و الانترنت، لجأ بطل رواية أحمد سعداوي "فرانكشتين في بغداد" إلى جمع بقايا الجثث المتطايرة من جراء الانفجارات لخلق شخصا شبيها بفرانكشتين يرغب في الانتقام من كل الذين تسببوا في الفوضى الراهنة. حصل "فرانكشتين بغداد" على جائزة البوكر لهذا العام، فغياب الأجوبة المنطقية عن الأسئلة التي قد تطرح حول العراق دفع أهله إلى قبول العنف كجزء من الروتين اليومي في غياب حلول سياسية واضحة. نرى إذاً أثر العنف على حياة الناس من خلال الروايات المختلفة للأحداث، و نرى أحيانا أسلوب الفانتزيا الذي يتناسب و عبثية الواقع و الشعور بالعجز... الجثث تنتشر و لكل ضحية قصة ووجهة نظر...

الروائي على بدر في " حارس التبغ" يحكي قصة عازف الكمان الذي عُثر على جثته مرمية على شاطىء دجلة، ثم يدلف إلى موضوع يهود العراق... أما بطل سنان أنطون " في وحدها شجرة الرمان" فيعمل في مغيسل شيعي: طالب الفنون يرث مهنة أبيه، و يرسم الجثث التي يعيش بينها.. ينتقل من كابوس لآخر و يتمنى الرحيل... و بطل "يا مريم"، روايته الأخيرة، حياته تلخصها الصور على جدران المنزل العتيق... براعة في سرد الذكريات المبعثرة لأقليات مبعثرة... سنان أنطون مقيم في نيويورك، و علي بدر في بروكسل، و البقية تأتي... و الحديث يطول حول ما يجرى، مثلما توالت شهادات الكتاب و أعمالهم في أعقاب الحربين العالمتين في أوروبا أو بعد الحرب الأهلية في لبنان، فالكاتب بحاجة إلى أن يروي في مثل هذه الظروف... و نحن في حاجة إلى أن نقرأ، ليس فقط كمحاولة للفهم، بل نقرأ نصوص أدبية على روح الشعب العراقي لنشعر أكثر بمعاناته و نقترب منها... ما عرفته الرواية العراقية منذ سنة 2003 جدير بالدراسة، فمياه كثيرة جرت تحت الجسور منذ صدور أول رواية في بغداد عام 1928 ("جلال خالد" لمحمود أحمد السيد)، و هذا طبعا لا يتنافى مع وجود أسماء لامعة ما بين التاريخين أثرت حياتنا مثل فؤاد التكرلي و طعمة فرمان و عالية ممدوح على سبيل المثال لا الحصر، فلا مجال هنا لذكر العديد و العديد من الأسماء... الخريطة الأدبية أيضا تتغير و ليس فقط الخرائط السياسية.

التعليقات