انقسام فى صفوف حركة نداء تونس - العالم يفكر - بوابة الشروق
السبت 25 مايو 2024 4:42 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

انقسام فى صفوف حركة نداء تونس

نشر فى : الخميس 23 يوليه 2015 - 9:00 ص | آخر تحديث : الخميس 23 يوليه 2015 - 9:05 ص
عمر بلحاج صلاح
حجبت التحديات الأمنية المتعاظمة فى تونس ــ لاسيما بعد هجومَى السوسة وباردو ــ النقاشات حول الخلافات داخل حركة نداء تونس. بيد أن النزاعات المستمرة التى يشهدها الحزب الحاكم حول قيادته سوف تقوِض على الأرجح قدرة الحكومة على معالجة التحديات الأمنية والاقتصادية الضاغطة. بعد عامَين على تأسيس حركة نداء تونس، فازت هذه الأخيرة فى الانتخابات التشريعية والرئاسية على السواء، على الرغم من الجذور العقائدية المتنوعة، لا بل المتباينة، لأعضائها المؤسسين. لقد استمر تحالف نداء تونس ــ الذى يضم مزيجا من النقابيين اليساريين والأوليغارشيين المحافظين ــ بفضل العداء المشترك الذى يكنه أعضاؤه لحركة النهضة وحلفائها فى الحكم بعد الثورة. بيد أن الصراعات الداخلية على السلطة تتسبب بصورة متزايدة فى إشعال فتيل الأزمة داخل الحزب.
***
ظهرت مؤشرات الخلاف الداخلى لأول مرة فى ديسمبر 2013 عندما كُلِف حافظ قائد السبسى ومحمد الغريانى، الذى كان آخر من تولى منصب أمين عام حزب التجمع الدستورى الديمقراطى المنحل الذى كان الحزب الحاكم فى عهد بن على، بإدارة المكاتب التابعة لحركة نداء تونس فى البلدات والمناطق. فأثارت هذه التعيينات على الفور سلسلة من الاستقالات احتجاجا على سيطرة رموز سابقين من التجمع الدستورى الديمقراطى، وسط اتهمات بأنهم يستخدمون «أموالا فاسدة». وشهد الحزب جولة جديدة من الخلافات قبل الانتخابات التشريعية والرئاسية فى العام 2014 على خلفية مزاعم بأن حافظ الذى اختير لرئاسة قائمة تونس، كان يضغط باتجاه ضم مزيد من أنصار التجمع الدستورى الديمقراطى إلى التحالف.

بيد أن القرار الذى اتخذه نداء تونس بالعمل يدا بيد مع خصمه السياسى الأساسى، حركة النهضة، زاد من حدة الخلافات وولد مزيدا من الصراعات على السلطة فى صفوفه. وقد ظهرت مجموعة مصالح ثالثة بقيادة حافظ قائد السبسى بعدما وافق محافظون مخضرمون ينتمون إلى عهدَى بن على وبورقيبة، على ضم حركةالنهضة فى الحكومة. وقد استقطبت هذه المجموعة حلفاء داخل الحزب ــ بينهم النواب خميس قسيلة، وعبدالعزيز القطى، وخالد شوكت، الذين اعترضوا جميعهم بشدة على موقف الحكومة الجديد. حتى إن النواب الثلاثة وصفوا السياسة التى تنتهجها حركة نداء تونس بعد الانتخابات بأنها «طعنة فى ظهر التونسيين».

لقد تمكن هذا الفصيل الذى يقوده حافظ من استغلال انعدام الثقة الواسع بالقيادة النقابية ــ اليسارية ليرفع مطالبه من أجل الاستحواذ على السلطة داخل الحزب. وقد عمل هذا الفريق، من خلال تسلمه لإدارة المكاتب المحلية والمناطقية التابعة للحزب، على بناء روابط قوية مع القواعد الشعبية لحزب نداء تونس التى تعترض على تركيبة الحكومة. وفى التاسع من أبريل الماضى، فى خطوة فُسِرت على نطاق واسع بأنها تنم عن استقواء وتسلط، وجه هذا الفصيل، خلال اجتماع عُقِد فى مقر الحزب، دعوة غير رسمية إلى الآلاف من أنصاره للتوجه إلى العاصمة والتظاهر ضد الزمرة الحاكمة. وفى محاولة منهم لحمل الرئيس التونسى الباجى قائد السبسى على النأى بنفسه عن النقابيين اليساريين والإصغاء إلى مطالب مجموعة حافظ، رفعوا شعار: «ايجانا يا باجى راو كلاونا». وقد اشتكى المحتجون الذين ضموا فى صفوفهم أعضاء من الفروع المحلية لحركة نداء تونس، من أنهم ضحوا بكل شىء من أجل الحزب لكن الزمرة الحاكمة أبعدتهم من السلطة.

فيما يستمر الصراع الداخلى على السلطة بين المحافظين والنقابيين اليساريين ومجموعة حافظ، تتصاعد وتيرة الاتهامات. فقد اتُهِم حافظ الذى يشغل موقعا قياديا أساسيا بصفته مسئولا عن «الإدارة المركزية للهياكل والتعبئة» فى الحزب، باستخدام أنصاره لتعزيز موقعه على مشارف انعقاد المؤتمر الوطنى لحركة نداء تونس والانتخابات الداخلية للحزب فى وقت لاحق هذا العام. وقد اشتكت رجاء بن سلامة، العضو السابق فى الحزب، من أن «السيد حافظ قايد السبسى، مع احترامى لوالده، أساء كثيرا إلى هذا الحزب... بإنشائه هياكل موازية داخله، وبإقصائه للمناضلين الصادقين منه، وتحالفه مع أقطاب المال والإعلام الذين يريدون استخدام نفوذه وحظوته لتحقيق المزيد من السلطة والربح». وقد رد خميس قسيلة بكلام أشد تأجيجا للمشاعر هاجم فيه المجلس الدستورى ــ الذى ينقسم أعضاؤه الإثنا عشر بين النقابيين اليساريين والمحافظين المخضرمين ــ وكبار الشخصيات فى الفريق الرئاسى: لزهر العكرمى، ورضا بلحاج، ومحسن مرزوق. فقد اتهمهم قسيلة فى تصريح لقناة «نسمة» التليفزيونية، بالعمل لتنفيذ «انقلاب حقيقى داخل الحزب ضد حافظ قائد السبسى»، واستهجن ما سماه استخدام المجلس الدستورى «لإرهاب الفكر ضد خصومه فى حركة نداء تونس».
***
ينطلق سلوك حافظ ومجموعته من الحاجة إلى انتزاع مزيد من النفوذ لأنفسهم ولمجموعات اللوبى التجارية الداعمة لهم، التى تسعى أيضا إلى الحصول على مزيد من الامتيازات والنفوذ. ويحظى هذا الفصيل أيضا بدعم قوى من وسائل الإعلام منذ رفض المعسكر النقابى اليسارى ضم مدير عام قناة «نسمة»، نبيل القروى، إلى عضويةحركة نداء تونس على الرغم من الدور الذى لعبته القناة المذكورة فى إيصال الحزب إلى السلطة. تميل قناة «نسمة» إلى استضافة أعضاء من مجموعة حافظ للحديث ضد الفصيل النقابى ــ اليسارى والمحافظين المخضرمين، وتغطى بانتظام أخبار استياء القواعد الشعبية الموالية لمجموعة حافظ.

فى محاولة للتخفيف من الاحتقان، انتخبت حركة نداء تونس مكتبا سياسيا مؤلفا من الفصائل الثلاث المختلفة فى 22 مارس الماضى، مع توزيع آلية صنع القرارات بين أعضاء الحزب وسحبها من أيدى المجلس الدستورى الذى سيطر على الحزب لأشهر عدة قبل تعيين محسن مرزوق أمينا عاما. لكن كما قال القيادى السابق فىحركة نداء تونس، عبدالعزيز المزوغى: «لم تعد الأطر الداخلية فى حركة نداء تونس تعزز الحوار الفعال بين القادة. ليس هناك تركيز على المسائل الأساسية... فى الاجتماعات التى نعقدها، يتعذر نقاش الأمور بعمق ودقة أو اتخاذ أية قرارات. ولذلك تخرج القرارات ركيكة، من دون معرفة مصدرها».
***
على الرغم من تراجع حدة الخلافات نوعا ما خلال الأشهر القليلة الماضية، غالب الظن أنه ستظهر مزيدا من الخلافات إلى العلن بحلول نهاية العام الحالى، وتحديدا فى الموعد المرتقَب لتنظيم حركة نداء تونس وانتخاباتها الداخلية الأولى. بغض النظر عن نتائج هذه الانتخابات، تبدو قيادات نداء تونس عاجزة عن تعزيز الديمقراطية المؤسساتية فى مواجهة الحسابات السياسية الضيقة التى تحكمها العصبيات الفئوية، الأمر الذى من شأنه أن يُضعف الثقة بالالتزام التونسى بالمعايير الديمقراطية، ويقوِض أكثر فأكثر قدرة الحكومة على رفع التحديات الأمنية والاقتصادية.
التعليقات