مغالطة إعادة التكييف.. ومآلات الصراع - حامد الجرف - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 4:26 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مغالطة إعادة التكييف.. ومآلات الصراع

نشر فى : الإثنين 26 فبراير 2024 - 6:35 م | آخر تحديث : الإثنين 26 فبراير 2024 - 6:35 م

تدلنا الدراسات التربوية وكذلك علم النفس على آلية التنميط كأداة للتعلم وكوسيلة للتعاطى مع ما حولنا، باعتبارها الحكم المعيارى الذى نطلقه سلفا على مجموع من الأشياء أو الأشخاص بتحديد قاسمهم المشترك المميز لهم عن غيرهم، بيانا للمواصفات والسمات والخصائص والأدوار التى تجعل منهم أفرادا ضمن قالب جامع.
كما تدلنا دراسات القانون على الوصف باعتباره ما يسبغه المشرع من تحديد لواقعة أو تصرف تدخله ضمن طائفة بعينها من الأفعال أو العقود، ليأتى من بعد ذلك دور التكييف القانونى والذى يجريه من يتولى أمر التطبيق بتحديد الوصف القانونى الصحيح لما يعرض عليه تمهيدا لتحديد القانون أو النص الذى يخضع لحكمه.
فالتنميط أو التوصيف أو التكييف هى جميعها تقوم على فكرة تحديد خصيصة جامعة لأفراد أو آحاد تميزهم عن غيرهم لتيسير المعرفة وتذليل عقبات التعامل.
• • •

على الرغم من عدم إمكانية الاستغناء عن التنميط أو التكييف فى الحالين (التعلم أو التعامل) فإن عيبه كآلية تكمن فى إهماله للفروق الفردية بين آحاد النمط الواحد من جهة، واحتمال المغالطة فيه بعدم دقة تعيين القاسم المشترك المميز لآحاد النمط الموصوف من جهة أخرى.
وخطر المغالطة يتأتى من كونها الاستدلال على نحو غير صحيح قصدا للتوصل لنتيجة مقصودة سلفا لا تحملها مقدمات ذلك الاستدلال، كحالة الاستدلال الدائرى أو مغالطة التكييف والتى تعاد فيها صياغة القضية المطالب بإثبات صحتها بدلا من التدليل على صحتها. فهى على ذلك (أى المغالطة) نمط من التفكير والاستدلال يقوم على عيب فى بنيته الصورية بقصد بلوغ نتيجة مستهدفة سلفا هربا من المواجهة الصحيحة للقضية المطروحة.
والتنميط فى الممارسة الحياتية يجرى بالتواضع (أى بالاعتياد) بين الناس على تحديد الجامع المشترك لآحاد الأشياء أو الأشخاص.
أما فى حال وجود سلطة ضابطة، فإنها عندما تمارس وظيفتها التشريعية تباشر واعية تحديد الوصف بأركانه وعناصره المميزه له. ولكن عندما لا نكون فى مواجهة سلطة ضابطة أو عندما تغيب فى جماعة ما (كالمجتمع الدولى مثلا إذ نحن حتى مع التنظيم الأممى له لسنا فى مواجهة حكومة عالمية) أو عندما لا تتمكن تلك السلطة من التوافق على تحديد وصف أمر ما بأركانه وعناصره، هنا ينفتح الباب متسعا لخلافات التكييف ولمغالطات الاستدلال.
فالتكييف تطبيق لحكم معيارى مسبق على أمر ما وأساسه فكرة النمط التى تجد جوهرها فى تحديد الخصيصة الجامعة لأفراد بما يميزهم عن غيرهم، ومن هنا تأتى المغالطة الصورية فى الاستدلال الدائرى بنفى القضية المطروحة بإعادة التكييف إخراجا للأمر من نمطه دون إثباته.
فأفعال الإرهاب والمقاومة المسلحة، مظهرهما واحد وهو استخدام العنف فى مواجهة الخصم بقصد إخضاع إرادته أو تغيير سلوكه. ورغم اتفاقهما فى ذلك المظهر فحسب إلا أنه ليس ضابط التفرقة بينهما، إذ هما على طرفى نقيض فى كل أركانهما وعناصرهما، إذ يختلفان من حيث مراكز الأطراف وسياق الفعل والدوافع والغايات. فسياق المقاومة أن أفعالها تأتى ردا لعدوان سابق عليها، آنيا كان أم تاريخيا كالاحتلال الجاثم على صدر وطن ما، بينما الإرهاب فعل عنفى مبتدئ لا يرد ردا لعدوان سابق عليه، كما يختلفان فى الدوافع فالإرهاب يفترض فيه أن أحدا لم يتجاوز فى حق من يمارسه، بينما المقاومة هى فعل المقهور فى مواجهة من تسلط عليه، ويختلفان كذلك من حيث الغايات، فغاية الإرهاب هى القهر المجرد أى مجرد الإضرار، أما المقاومة فغايتها استرداد حق أو تحرير وطن، ومراكز الأطراف فيهما تختلف كذلك، فالإرهاب يقوم به جانٍ مبتدئ أما المقاومة فهى أفعال مجنى عليه يرد غائلة ما يمارس من عدوان فى مواجهته.
وعلى الرغم من ذلك ولكن ولاشتراكهما فى عنصر واحد يشكل مظهرهما الخارجى وهو استخدام العنف فى مواجهة الخصم، ولعدم اتفاق جماعة الدول على تعريف محدد للإرهاب، ينفتح الباب فى تكييف فعل ما أمام تيارات الأهواء والمصالح، وبسبب ذلك امتنع على الأسرة الدولية تعريف الإرهاب بما ترك الباب مفتوحا أمام مغالطات الاستدلال.
الأهم من ذلك أن المغالطات الصورية فى الاستدلال، قد تشكل طريقا آمنا للهرب من جلسة حوار كسبا للوقت، ولكنها بالأساس تشكل مخادعة للنفس إن صدّقها من يأخذ بها، لن تسلمه إلا لنهايته. وهو الأمر الذى نستشرفه من مآلات حرب المقاومة الفلسطينية ومعركتها القادمة فى رفح، فنهاياتها لا تحتمل القسمة على اثنين، فهى معادلة صفرية فى الأساس لأنها نشأت عن صراع وجود، فإما أن تنتهى لإقامة دولة فلسطينية تامة السيادة غير منزوعة السلاح على كامل التراب الفلسطينى المحتل فى 5 يونيو 67 عملا بالقرارين 181 و242 (على الرغم من أن الحدود الإسرائيلية يوم 4 يونيو لا يمكن اعتبارها حدودا شرعية استنادا للقرار 181 والذى لم تتحدد به حدود، وإنما كانت سيطرة واقعية لدولة الاحتلال والتى لم تعلن حدودها للآن) ولا يمكن بقبول أقل من ذلك الحل، فالدولة منزوعة السلاح على نحو ما يذهب إليه البعض معناها أنها ستكون كانتونا تحت الوصاية الإسرائيلية، وكأن إقامة الدولة منّة منها ولن تجعل سلطتها إلا منفذة لوصاية الاحتلال كما هو الحال فى رام الله بعد أوسلو.
لكن الحد الأدنى الممكن قبوله فلسطينيا وعربيا ــ بغض النظر عن مواقف العواصم والنظام العربى المحتضر فى جامعته ــ يتمثل فى دولة فلسطينية على أراضى 5 يونيو 67، تامة السيادة كاملة العضوية فى الأمم المتحدة ذات جيش يحميها؛ لأنها وفى كل الأحوال أحوج الكيانات لوجود جيش يحميها. ولا أدل على ذلك من تجليات الصراع القائم.

• • •

إما أن تنتهى الحرب إلى ذلك. وقد بدأت إرهاصات تُسمع من تصريحات ديفيد كاميرون ولافروف وتسريبات من واشنطن ــ وإما أن تنتهى لتسيد كامل لإسرائيل ليس على المنطقة العربية فقط بل وعلى كل الشرق الأوسط، الأمر الذى يهدد أمن دولنا القومى فرادى وأمننا الجماعى معا، بل بما يهدد أمن الأطلنطى والولايات المتحدة فى مستقبل ما سيلى بعد ذلك فضلا عن لاعبين إقليميين لا يستهان بأدوارهما كإيران وتركيا.
الغريب فى الأمر أن أنظمتنا بعد أن دجنتها اتفاقياتها مع إسرائيل منذ كامب ديفيد حتى اتفاقات أبراهام، لا تحرك ساكنا ولا توقف متحركا، وكأن الأمر لا يعنيها وكأن المقاومة الفلسطينية ولمجرد أن فصيلها الأساسى هو إسلامى التوجه تمثل فى نظرهم عدوا ينتظرون الخلاص منه. ينبغى علينا ألا نستمر فى مغالطة أنفسنا وخداعها بشيطنة المقاومة أو بنفض اليد من الصراع لأنه وببساطة لن يملك عربى واحد بعد انتهاء المعركة بتسيد إسرائيل أن يرفع سبابته نحوها، اللهم إن كان رفعها توحيدا لله فى صلاته التى قد لا تقبل بعد تخاذله منه.
ولكن ما يبعث على التفاؤل أن صمود المقاومة وتحقيقها انتصارات متتالية حتى مع هزال تسليحها بالنسبة للجيش الذى لا يقهر وحتى مع التضييق عليها فى خطوط إمدادها وتموينها يمثل بذاته انتصارا للمقاومة، إذ لم تفلح إسرائيل ولن تفلح فى كسر إرادة الشعب الفلسطينى وطليعته المقاومة ولا فى إجبارها على ما تريد، ولا فى إبادة المليونين الباقيين من الفلسطينيين والفلسطينيات فى غزة.

المقاومة انتصرت فى حربها، وحق لها أن تحصد جائزتها؛ دولة فلسطينية على حدود 67 تامة السيادة كاملة العضوية ذات جيش يحميها.

حامد الجرف قاضٍ مصري سابق
التعليقات