نموت نموت ويحيا التليفزيون - داليا شمس - بوابة الشروق
الأربعاء 18 سبتمبر 2019 10:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



نموت نموت ويحيا التليفزيون

نشر فى : الأحد 28 أبريل 2013 - 8:00 ص | آخر تحديث : الأحد 28 أبريل 2013 - 8:00 ص

بعد سنوات قليلة قضتها فى أوروبا، عادت لتدافع باستماتة عن تيار معين وقد أصبح بالنسبة لها الدنيا وما فيها، أو السبيل الوحيد لنصرة الإسلام المعتدل، بل وأخذت تردد تلقائيا آراء قاطعة تدين كل «المغرضين» الذين يشككون فى أهداف الجماعة السياسية لأنهم «أصحاب منفعة».. الموضوع وما فيه أن السيدة كانت تتابع، أثناء سنوات الغربة القليلة، قنوات تليفزيونية معظمها دينى.. تستمع من خلالها للقرآن وتفسيره، بالإضافة لبرامج أخرى يختلط فيها أحيانا الدين بالسياسة، خاصة فى مرحلة ما بعد الثورة.. فمثلها مثل العديد من الأمهات الذين فرضت عليهم الظروف العيش بالغرب قررن أن يتمسكن بقيمهن الثقافية وتقاليدهن، وشددن على تعاليمهن الدينية كوسيلة للحفاظ على الهوية الشرقية، فى وقت يشعر فيه البعض بالتمييز من قبل الغرب أو الرفض تجاه عقائده التى كبر عليها، وغالبا يصبح التدين أو الحياة الروحية بشكل عام هما حجر الزاوية لعملية المقاومة الثقافية العنيفة التى تتملك هؤلاء الأشخاص للدفاع عن انتمائهم ولنقل موروثهم للمحيط الأسرى الذين يحرصون عليه.. وهنا تبرز أهمية التليفزيون، فهو من جهة وسيلة لتعرف «المهاجرين» على البلد الجديد الذى وفدوا إليه، ولكن من جهة أخرى هو الرابط الأساسى للوقوف على أخبار بلدهم الأم، وكأنه وسيلة فعالة لـ«صلة الرحم» بعد أن قُطعت صلتهم اليومية المباشرة باللغة العربية والأهل والأصدقاء والوطن نظرا لوجودهم فى «المنفى». وعلى هذا النحو يشترك المصريون بالخارج فى باقات بعينها تسمح لهم باستقبال العديد من القنوات العربية، كما يتم تنزيل برامج مختارة من خلال «الآى باد» و«اليوتيوب» وخلافه، فيؤكد الأفراد أكثر وأكثر على ما لديهم من قناعات.

 

●●●

 

لأسباب مختلفة أصبح التليفزيون تدريجيا يحتل مساحة كانت تشغلها تاريخيا المؤسسات الدينية كالجامع والكنيسة، وصار مصدرا أساسيا لتحديد وجهة نظر فى الحياة، خاصة بالنسبة للناس العاديين الذين لا ينتمون بالضرورة للمثقفين ذى التفكير النقدى أو الذين يأخذون بعدا من السلطة. ونظرا لصعود الإسلام السياسى خلال العقدين الأخيرين فكان له صداه، بل والصوت الأعلى، فى القنوات الفضائية والدينية التى انتشرت منذ التسعينيات، وكان الدين هو منتجها الاستهلاكى الأساسى، بما أننا نتكلم عن سوق فضائيات تنطبق عليها قوانين العرض والطلب. نجاح البرامج الدينية جماهيريا، خاصة تلك التى أخذت طابع التوك شو الإسلامى، بالإضافة إلى ازدياد تمسك المجتمعات بقيمها الإسلامية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 كردة فعل دفاعية، شجعت المستثمرين ورجال الأعمال على الدخول بقوة لعالم الإنتاج التليفزيونى الدينى، وارتفعت أجور مقدمى تلك البرامج من دعاة جدد أو مذيعين اشتهروا بسبب تحولهم لهذا المجال وغيرهم، حتى تردد أن متوسط دخل أحدهم الرسمى منذ حوالى سبع سنوات كان يقدر بعشرة آلاف دولار شهريا، هذا بخلاف ما تحصده القنوات نفسها من ملايين الدولارات بسبب إعلانات وقت الذروة أو ما يعرف بـ«البرايم تايم». وفى الأغلب الأعم بعض ملاك القنوات الدينية نفسهم يمتلكون أيضا قنوات أخرى ترفيهية، فمثلا قناة «اقرأ» كانت قد طرحتها مجموعة راديو وتليفزيون العرب (إيه آر تى)، وقناة «رسالة» أنشأتها مجموعة «روتانا»، كما أطلق رجل أعمال سعودى معروف قنوات مثل «الناس» و«الحافظ» فى فترة الألفينات وحول قناة كان يملكها منذ سنوات لبث الأغانى والفيديو كليب وهى قناة «الخليجية» إلى قناة دينية هى أخرى للإقبال الشديد.. كذلك فطن السلفيون مبكرا إلى أهمية القنوات التليفزيونية فنجحوا فى توظيفها لجذب المشاهدين، كما فعلوا من قبل باستخدام شرائط الفيديو ثم المواقع الإلكترونية بنجاح لنشر الدعوة، وفهموا جيدا أن التليفزيون هو أفضل وسيلة لإقامة علاقة مباشرة مع الجمهور، بالصوت والصورة، ما يفوق تأثيره مواقع الإنترنت، فتعدد وسائط الاتصال الحديثة يجعل الممارسات الدينية مرتبطة أكثر بالفرد، بمعنى أن المتلقى يختار من ما هو مطروح أمامه، دون الرجوع لمؤسسة دينية بعينها، ينتقل من قناة لأخرى لينتقى «منتجا ثقافيا» ــ إذا جاز التعبير ــ يتيح له السكينة، حتى لو لم يخلُ هذا المنتج من الأساليب الدعائية أو «البروباجاندا الاجتماعية» التى تهدف إلى الحشد وترسيخ أفكار معينة، سواء من خلال إثارة الشكوك أو التخويف من بعض الأمور أو حملات «شيطنة» تستهدف أشخاصا بعينهم أو اجتزاء الحقائق أو التبسيط المخل وغيرها من طرق «البروباجندا» المتعارف عليها، والتى كانت وسائل الإعلام الحكومية تستخدمها هى الأخرى لتشويه الإسلاميين.

 

●●●

 

 

وكما حدث من قبل فى العراق بعد التدخل العسكرى الأمريكى عام 2003 شهدت البلاد طفرة فى عدد القنوات الفضائية التى وصل عددها سريعا إلى أكثر من 300 قناة وقتها، الأطراف المختلفة أو اللاعبون الأساسيون سعوا لامتلاك قنوات، أصبحت تعكس الصراع الدائر على الأرض سياسيا وعقائديا، حتى قيل إن هذه القنوات صارت تخصص 20% من ميزانياتها الشهرية لحماية العاملين فيها لأنهم أصبحوا مستهدفين لتمثيلهم ذلك التيار أو ذاك.. درجة عالية من الاستقطاب تغيب فيها المعايير المهنية والأخلاقية وتصبح الكلمة العليا فيها للولاء والانتماء والتحالفات، لذا أطلق على ما حدث فى العراق «لبننة الإعلام العراقى»، فى إشارة إلى واقع الإعلام اللبنانى منذ الحرب الأهلية، فالدين زج به كطرف فى اللعبة السياسية والإعلامية، والمشاهد أو المتلقى هو الضحية التى تتقوقع ولا تقبل الرأى الآخر، كما هو الحال الآن بالنسبة للمصريين فى الداخل والخارج بدرجات متفاوتة.

التعليقات