عن ليبيا وسد النهضة.. الحق والقوة أيهما أحق؟ - أكرم السيسى - بوابة الشروق
الجمعة 14 أغسطس 2020 10:31 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عن ليبيا وسد النهضة.. الحق والقوة أيهما أحق؟

نشر فى : الثلاثاء 28 يوليه 2020 - 8:00 م | آخر تحديث : الثلاثاء 28 يوليه 2020 - 8:00 م

للأديب الكبير عباس محمود العقاد حكمة شهيرة: «من طلب الحق والسلامة، فقد أخطأه الحق، وفاتته السلامة»! ومعنى هذه المقولة أنه لا يمكن مطالبة حق بالسلم فقط، ولكن لابد له من سند يقويه ويدعمه ويحميه ويناصره، من أجل أن يفوز به، وأما الذى يطلب حقه بالسلم وحده، فلن يحصل على شىء بالمرة، بل سيضيع حقه، وسيفقد حاضره ومستقبله.
هذا المفهوم لم ينادى به الأديب الكبير العقاد بمفرده، ولكن تحدث عنه أدباء وشعراء كُثُر، ونذكر منهم، على سبيل المثال لا الحصر، الأديب الفرنسى لافونتين (1621ــ1695) La Fontaine، فى قصيدته «الذئب والحمل» (1668)، ضمن «حكاياته الشعرية الخرافية» Les Fables، حيث يُبرر الذئب منطقه العبثى لافتراس الحمل، هكذا بدأ قصيدته: «منطق القوى هو الأفضل دائما» أو « La raison du plus fort est toujours la meilleure »، ويُراد بها تعليمنا أن «القوة تصنع الحق، وأن الحق بلا قوة هو وَهْم»!
***
تحكى القصيدة قصة ذئب يتضرعه الجوع والعطش، فيتوجه إلى جدول ماء صافيا ينحدر من نبع تظلله الأشجار، وعندما يصل إلى النبع لكى يشرب، يجد حمَلا يروى عطشه فى الجهة السفلى من الجدول، فيلتفت الذئب إليه، ويدور حوارا بينهما نختصره فيما يلى...
يقول الذئب غاضبا: لماذا تُعكر الماء الذى أشربه؟ لابد أن تعاقَب على فعلتك.
الحمل: لا داعى لأن تغضب جلالتكم، وكيف لى أن أعكره، وأنا أشرب من مكان يبعد عنكم عشرين خطوة، والماء ينحدر إلىّ فى الأسفل وأنتم فى الأعلى.
الذئب: هل تذكر؟ لقد شتمتنى فى العام الماضى!
الحمل: كيف أفعل وأنا لم أكن ولدت بعد، والآن ما زلت رضيعا أتغذى من ثدى أمى.
الذئب: لقد كان أخوك إذن.
الحمل: أنا وحيد، ليس لى إخوة.
الذئب: إذن، أحد أبناء جلدتك، إنكم تواظبون على إيذائى فضلا عن رعاتكم وكلابكم، ويجب أن أثأر لنفسى.
وهجم الذئب على الحمل وافترسه!
من اللافت للنظر أن اختيار الذئب والحمل فى الخرافة له دلالته، فالذئب يُمثل الغريزة الفطرية للافتراس، والتى تتضمن صفات تعكس الظلم والغدر والخبث، أما الحمل، فهو رمز للوداعة والألفة والبراءة، لقد كان حِجَاج الحمل مُتحليا بلغة المنطق، فهو حجاج يستند للعقل وللعدل، لكن نتيجته لم تُخلِص الحَمَل من العقاب، فافترسه الذئب، وكأن العدالة هنا لا تقوم على برهان، بل يَتبيَن أنها ضد العقل، وضد المنطق، ومعنى ذلك أن الحَمَل أخطأ فى حجاجه، وكذلك فى التدليل على براءته، فالعقل، والمنطق، والعدالة نفسها، ليسوا وسائل صالحة دائما فى أحوال مواجهة القوة والطمع والغريزة المتوحشة، ففى هذه الحالة المنطق هو عقل القوى، والعدل هو حُجته، والحقيقة هى ما يراه القوى، هكذا تَبنِى الخرافة رسالتها بأن الحق لا يأتى إلا مدعما بالقوة!
***
هذه العظات التى أخبرنا بها الأدباء والشعراء والفلاسفة، والتى رسمت طبائع البشرية منذ عهد آدم، وقصة ابنيه قابيل وهابيل، أنبأتنا بها الرسائل السماوية، والمعتقدات الدينية التى هى أعلم بالطبيعة البشرية، هكذا علَمَنا مُعلم المسيحية، المسيح عليه السلام، بقوله: «لا تظنوا أنى جئت لأُلقى السلام على الأرض، ما جئت لألقى سلاما بل سيفا» (إنجيل متى 10)؛ وقول الله فى كتابه: «وَأَعِدُوا لَهُم مَا اسْتَطَعْتُم مِن قُوَةٍ وَمِن رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَ اللَهِ وَعَدُوَكُمْ» (الأنفال آية 60)، وهذا لا يعنى أبدا تحريض بالاعتداء على الآخرين، ولكنه «رَدْع» للأعداء والمتنمرين.
***
وبالعودة للحوار الماكر من قِبَل الذئب، والبرىء من طرف الحمل، نلاحظ أنه هو ذاته الذى دار بين أثيوبيا من جهة، وبين مصر من جهة أخرى، اتصف الطرف الأول بالمكر والحيلة، بينما تميز الثانى بحسن النوايا والبراءة، ولم تُظهر فيه مصر أى نوع من القوة، ولهذا لم يُحسم بالسرعة المطلوبة!
لقد سمعنا فى أثيوبيا من يقول أن النيل ملك لنا، وليس من حق أحد أن يشاركنا فيه! وسمعنا منهم أيضا أن مصر استفادت من مياه النيل أزمنة طويلة، فأحدثت تنمية كبيرة، وحرَمتنا نحن من تنمية بلادنا! كما أنها بنت السد العالى، ولم تستأذننا! علما بأن أثيوبيا هى المنبع بينما مصر هى المصب! أليس هذا هو بالضبط نفس منطق الذئب وهو فى أعلى المياه، عندما اتهم الحمل الذى هو فى أسفل الجدول، بأنه يُعكر المياه، فكان رد الحمل: «وكيف لى أن أعكره، وأنا أشرب من مكان يبعد عنكم عشرين خطوة، والماء ينحدر إلىّ فى الأسفل وأنتم فى الأعلى»!
وفى سبيل تكميم أفواه المصريين، وتكبيل حركتهم، قاموا بمحاربتهم نفسيا بالإدعاء الكاذب، إدعت أثيوبيا أن مصر تهددها بالحرب، وبضرب السد الذى يعول عليه الأثيوبيون فى توليد الكهرباء لتنمية بلادهم، وانتشالهم من الفقر، وهو نفس الأسلوب الذى اتبعه، من قبل، النظام الإخوانى لعمر البشير فى السودان، عندما دأب على اتهام المصريين بأنهم يتعالون على السودانيين، وعليه رفع أعضاء البرلمان الإخوان شعار «مصر عدو بلادى»!، أليس ذلك هو نفس الأسلوب الذى وجهه الذئب بإدعائه الكاذب للحمل بقوله: «هل تذكر؟ لقد شتمتنى فى العام الماضى!»، علما بأن الحمل لم يُكمل العام من عمره، فهو مازال رضيعا، فيتهمه بأن أحد أخوته هو الذى سبَه، رغم أن الحمل ليس له إخوة! هذه السياسة نجحت فى أن تحول مصر إلى مدافع عن نفسها فقط، ولا تلجأ للهجوم.
وبنفس منطق ادعاء الكذب فى ليبيا، سمعنا رجب طيب أردوغان، رئيس تركيا، يقول: «نرفض تدخل قوات أجنبية فى ليبيا، وهو الذى ينقل المرتزقة الإرهابيين من سوريا إلى ليبيا، ومن قَبْل نقلهم من العراق إلى سوريا، ومن سوريا إلى العراق، ويُهدد بنقلهم إلى أوروبا! ويقول أيضا نرفض نقل الأسلحة إلى ليبيا، وهو الذى ينقل الأسلحة جوا وبحرا إليها، ويبنى القواعد العسكرية، وبطاريات الدفاع الجوى، وبعض من جيشه، وقادته ليقودوا المعركة فى ليبيا!
وما يُدعم فرَضيتنا بأن الحق لابد له من قوة تدعمه، فقد تغير موقف تركيا تماما بعدما أوشكت بالهجوم، منذ أكثر من أسبوعين، وأعادت حساباتها من جديد، وذلك عندما حذرت القيادة السياسية فى مصر بأن «سرت» و«الجفرة» خط أحمر، ثم تَدَعَم هذا التحذير بضرب قواعد بطاريات الدفاع الجوى التركية بطائرات مجهولة الهوية، هكذا وصلت الرسالة، وأما إذا لم ترتدع تركيا، وأخذت رئيسها العزة بالإثم، فالنصر لمصر، بإذن الله؛ وفى ظنى، أن إثيوبيا تنتظر نتيجة المعركة الوشيكة فى ليبيا لكى تحدد موقفها النهائى، وأنها، من المؤكد، ستُغير سياستها عندما تصل لها رسالة النصر على قوات المرتزقة المعتدية التركية.
إن الجيش المصرى جيش محترف ومهنى، وليست به مرتزقة، ولم تُسجل عليه، ولو لمرة واحدة، حالة اعتداء على أى دولة، عربية أو غير عربية، إلا لصد اعتداء على أمن مصر، أو على حدودها، بل بالعكس قامت مصر، طوال تاريخها، بدعم حركات التحرر الوطنى فى كل بلاد العالم، ودفعت فى سبيل ذلك الكثير، من مالها وأبنائها، كما حدث فى الجزائر، وفى الكويت، وفى دول أفريقية عديدة، ومنهم جنوب أفريقيا، وفى أمريكا اللاتينية، فالحرب فى ليبيا ليست ضد الشعب الليبى، ولكنها، على العكس من ذلك، هى لحماية الشعب الليبى من المعتدى التركى الطامع فى ثروات النفط الليبى.
***
إذن السؤال المطروح فى عنوان المقال: «الحق والقوة أيهما الأحق؟» إجابته هى: «القوة أحق من الحق»، فالحق والقوة متلازمتان، وإذا لم يتلازما فَقَدَ المُطالب، سواء كان فردا أو جماعة أو دولة، كل حقوقه، وربما فقد كل حياته كما التهم الذئب الحمل!

أكرم السيسى أستاذ الأدب واللغويات بقسم اللغة الفرنسية بجامعة الملك سعود بالرياض
التعليقات