«الحب في المنفى».. والحقيقة الزائفة! - إيهاب الملاح - بوابة الشروق
الأربعاء 28 فبراير 2024 1:29 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

«الحب في المنفى».. والحقيقة الزائفة!

نشر فى : السبت 28 أكتوبر 2023 - 10:10 م | آخر تحديث : السبت 28 أكتوبر 2023 - 10:10 م
ــ 1 ــ
تحل الذكرى الأولى للراحل الكريم بهاء طاهر (1935ــ2022) فى هذه الأيام القاسية الصعبة التى نعانى فيها ما نعانيه، ونشهد بأعيننا ونسمع بآذاننا فى كل لحظة أنين طفل وامرأة وإنسان لا يملك شيئا فى مواجهة العسف والطغيان والبطش والظلم السافر. وأعلم يقينا أنه لو حيا لما استطاع التحمل طويلا، كانت وسيلته للمقاومة والرد والرفض وإعلان الوجود والبقاء هى الكتابة؛ ولا شىء آخر غيرها.
سأتوقف قليلا أمام روايته «الحب فى المنفى» لأنها ــ فى رأيى ــ واحدة من أهم وأجمل روايات المقاومة فى أدبنا العربى الحديث (أو هذا ما أظنه) . ولأن المساحة لا تحتمل كل ما جمعته من نصوص دالة ومعبرة عما يحدث الآن فقط سأكتفى بوقفات موجزة وربما أعود إلى ذلك تفصيلا فى مرات تالية...
ــ 2 ــ
ولعل أولى الرسائل التى حملتها رواية «الحب فى المنفى» وقت صدورها (1995) ، أنها كانت تعلن وبوضوح رفض الكتابة المزيفة والكاذبة، وتقدم كتابة حقيقية، ترفض اللغة التى صارت تسجننا فى إطار زيفها، فى حين أنها لا تفعل سوى مواصلة سجننا وقتلنا أحيانا، هذه اللغة التى تنفصل فيها الكلمات عن نفسها. تصبح مجرد أصوات أو حروف فارغة خالية من المعنى، ينفصل فيها المعنى، إن وجد، عن الحقيقة، وتنفصل فيها الحقيقة إن وجدت عن معاناة الواقع والحياة.
«الحب فى المنفى» نص يقاوم هذه اللغة، كما يقول حقا سيد البحراوى، وهذا ليس فقط هو موضوع الراوية، وإنما هذه «المقاومة» هى البديل الإنسانى والفنى الذى تقدمه اللغة الحقيقية، والإنسان الحقيقى، والأهم التشكيل الحقيقى لأزمتنا الحقيقية، لأنها رواية الحقيقة.
ورغم أن عنوان الراوية الذى يشير إلى «الحب فى المنفى» بوصفه موضوعا رئيسيا للرواية، كما يقرأه الدكتور البحراوى، وهذا صحيح، فإن هذا الحب يبقى إشارة لكل إمكانات الحياة، وليس مجرد حب ذكر لأنثى. ورغم أن ما يهدد هذا الحب، من العالم الخارجى، هو هيمنة النظام العالمى الجديد، بما فيه أداة البطش إسرائيل وسندها الأساسى أمريكا، فإن الهم العربى هو الأساس، وهو هم يعمق ليتصل بالهم الإنسانى العام الذى تعانيه الشخصيات الأخرى فى الرواية، من هنا نجح بهاء طاهر فى الإمساك بجوهر أزماتنا العربية بوصفنا بشرا ونجح فى تجسيدها فنيا.
ــ 3 ــ
كان بهاء طاهر مؤمنا بالقضية الفلسطينية إيمانه بذاته (لا غرابة فى ذلك وهو فى الطبقة الأولى من جيل الستينيات الذى كانت قضية القضايا فى وجدان أغلب كتابه إن لم يكن كلهم هى القضية الفلسطينية)، وكان مؤمنا بحق الشعب الفلسطينى فى البقاء بأراضيه، وبحق العودة إليها، وبأن النضال من أجل تحرير فلسطين واجب وحق وفرض.
وأتصور أن كتابة بهاء طاهر فى جوهرها العميق هى كتابة مقاومة ورفض للظلم والقهر والاستبداد وكل صور وأشكال التحكم فى رقاب البشر. جاءت «الحب فى المنفى» صرخة قوية تجسد كل هذه المعانى وتتمثلها فى آن، فضلا على فضحها الجمالى للازدواجية الغربية فى المواقف وهو ما تبدى بغلظة وفظاظة ولا أتردد أن أقول أيضا بهمجية فى الأحداث الأخيرة. على لسان أحد أبطال الرواية جاءت هذه الأسطر: «موت طفل واحد هو موت الدنيا كلها بالطبع، ومع ذلك فلن يسألك أحد كم طفلا قتلوا فى الجليل: خمسة أو عشرة؟ وكم ألفا من الأطفال أبادتهم إسرائيل فى لبنان ومن قبلها فى فلسطين؟ ولم لا؟ لست وحدك!
كانت الأخبار فى الصباح تتحدث عن سقوط مئات القتلى والجرحى كل يوم فى المدينة المحاصرة، فينقل تلفزيون البلد فى المساء احتفالا مهيبا مليئا بالمراسم الدينية وبالدموع وبالغضب لدفن أربعة جنود إسرائيليين سقطوا فى «الحرب» لا يحزن العرب لقتلاهم بالطبع! ولم لا؟
إنه بهاء طاهر، وإنها الكتابة التى تجسد بصدق وجعنا الدائم وألمنا المقيم!
ــ 4 ــ
فى مقاله الرائع عن بهاء طاهر فى العدد الخاص من (أخبار الأدب) الصادر هذا الأسبوع عن بهاء طاهر، يقول السفير محمد توفيق فى معرض إشارته لحديثه عن رواية «الحب فى المنفى»: «... فأدبك لا يتساهل مع مسئولية إسرائيل عن ذبح الفلسطينيين المحاصرين، بينما العالم المتحضر يشاهد المجازر بتواطؤ يئول إلى سادية. هذا تواطؤ خبيث لا يكتفى بإهدار القيم الإنسانية ومخالفة المواثيق الدولية، بل يذهب إلى ما هو أبعد بكثير.. يتلاعب بالعقول.. ويحول الجلاد إلى ضحية، بل ويعلن إن الغربيين وحدهم يستحقون المعاملة الإنسانية.. وما عداهم دمه مباح وكرامته مهدرة. أما العالم العربى ففى عجز يندد. بعضنا متواطئ هو الآخر.. لكن لا مخرج لأحد منا من وحل المهانة. أقول للكتاب الأجانب إن روايتك تجسد بدقة أزمة المثقف العربى.. سواء كان منفاه جغرافيا أم نفسيا.. ذلك المثقف المحاصر هو الآخر».
ويخاطب محمد توفيق صديقه الحاضر الغائب بضمير المخاطب «تتحدث أنت أخيرا عن قضايانا، تتكلم فيصمتون. لا تنطق بشوفينية محلية بل من منطلق المبادئ الإنسانية كالحرية والعدالة والتعددية والتعايش وقبول الآخر.
تطرح حقوق الفلسطينيين ليس على سبيل الاستجداء لكن كحق يجب أن تتمتع به سائر الشعوب، يكافح من أجله البشر أينما كانوا. تتكلم بقوة الواثق من هويته، وبانفتاح المتواصل مع جذوره الإنسانية.
ــ 5 ــ
كما ترى يا صديقى، والحديث على لسان محمد توفيق، «الحب فى المنفى» أبلغ وصف لأحداث الأمس واليوم. وقتئذ كان شارون واليوم نتنياهو.. والفرق ليس كبيرا على أى حال. هكذا الأديب ذو البصيرة.. دائم الحضور.. نعم لقد كان بهاء طاهر ذا بصيرة وسيظل دائم الحضور...