البيئة.. حبيبتى - أسامة غريب - بوابة الشروق
السبت 29 نوفمبر 2025 5:52 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

كمشجع زملكاوي.. برأيك في الأنسب للإدارة الفنية للفريق؟

البيئة.. حبيبتى

نشر فى : الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 28 نوفمبر 2025 - 6:10 م

 

يعجب المرء وتصيبه الدهشة عندما يسافر خارج الديار ثم ينزل فى فندق ويهم باستخدام الحمام فتطالعه لافتة أعلى الحوض تستحلفه أن يرتفع إلى مستوى الإنسان المحترم الذى يعرف مسئولياته تجاه الكوكب، وأن يترفق فى استخدام المناشف ويتعامل معها بحرص، حيث إن الاستخدام الكثيف لها من شأنه أن يلوث البيئة ويعكر صفوها! ولا يفوت الفندق أن يوضح لك أن وضع المنشفة على الأرض يعنى أنك تريد تغييرها، أما إبقاؤها أعلى الرف فيشير إلى أنك رجل ودود يصادق البيئة ويرافقها فى غدوها ورواحها، وينوى استخدام نفس المنشفة لليوم الثانى على التوالى! قد كان يمكن أن أتفهم وأتعاون لو أنهم دخلوا فى الموضوع من باب وجوب ترشيد استخدام الماء بسبب الندرة ونضوب الموارد، إنما حكاية الفوطة التى تلوث البيئة هذه لم أهضمها أبدا!

وتستمر نفس الدهشة مع دخول الحمامات العامة فى الشوارع والمراكز التجارية وكلها تخاطب ضميرك وتناشده لكى تتحلى بالأدب والذوق والكياسة فتستخدم المجفف الهوائى بدلا من المحارم الورقية التى تثير امتعاض البيئة وتجعل أسنانها تضرس من فرط الحساسية، وكل هذا بسبب سلوكك المعيب عندما تصر على تجفيف يديك اللعينتين بمنديل ورقى!

فى البداية تصورت المسألة عبارة عن مبادرة شخصية من فندق بخيل يضن على زبائنه باستخدام الفوطة بعد الاستحمام لأنه لا يريد أن يستهلك أدواته بسرعة، ثم اكتشفت أنه اتجاه عام فى كل الفنادق ببلدان العالم المختلفة، ومعنى هذا أن هناك توجيهًا كونيًا تم تعميمه وتوزيعه ومتابعة تنفيذه من قِبَل قوى كونية نافذة لا تبالى بعبثية توجيهاتها وكوميدية تعميماتها وفكاهية لافتاتها.. كل ما تريده هو أن ينصاع العالم ويقول: تمام يا أفندم!. وربما يكون ما أغرى هذه القوى أن العالم قد انصاع لتعليمات منع التدخين على الطائرات وفى المطاعم والأماكن المغلقة فظنوا أن كل ما يصدر عنهم هو بالضرورة مفيد ومنطقى وقابل للتنفيذ.

سألتُ عما يضير الكوكب من استخدام المناشف، فتلعثم معظم من سألتهم وعجزوا عن الإجابة حتى عثرت فى النهاية على من شرح لى أن عملية الغسيل المتكرر تتضمن استخدام مساحيق وأدوات تنظيف، وأن هذه المواد الكيماوية تعتبر من ملوثات البيئة، وعليه فكلما أفرطنا فى استخدامها ألحقنا الضرر بكوكبنا الحبيب! أدهشنى كلامه فسألته: هل معنى هذا أن أظل مرتديًا نفس القميص لمدة أسبوع ولا أقوم بتغييره يوميًا حتى لا أخذل الكوكب؟ نظر لى مشدوهًا ولم يحر جوابا!

ورغم أننى من محاسيب الكوكب منذ الصغر، بالإضافة إلى حبى المعروف لباقى المجموعة الشمسية إلا أننى تعجبت جدا لهذا التفسير لأنه يتناقض تماما مع إعلانات التليفزيون على كل الشاشات فى العالم والتى تسوّق لمساحيق الغسيل وتدعو إلى استهلاكها واستخدامها وتدعونا ألا نبالى ببقع الصلصة وبقع الحبر ولطخات الطين على ملابسنا لأن مسحوق كذا كفيل بإزالتها. وطبعًا المسحوق العجيب هذا من إنتاج واحدة من كبريات الشركات فى العالم وهى منتمية بالطبع للدول الصناعية التى تنتج كل الملوثات والموسخات ثم لا تجد تناقضًا فى تعميم بيان ترغم دول العالم كلها على رفعه بأهمية احترام البيئة!

السبب الأساسى فى ضيقى من هذه اللافتات هو أنها تقوم بتحميلى ضمنًا مسئولية تلويث البيئة ومحاولة جعلى شريكا فى هذا الجرم دون أن يكون لى دخل فى الأمر برمته، فلا أنا الذى اخترع المحارم الورقية التى تلوث المجارى المائية، ولا أنا الذى يضعها بالحمامات، وكذلك لست الذى ينتج مساحيق الغسيل ويكسب المليارات من بيعها.. فلماذا يلاحقوننى بدعايتهم فى كل مكان ويتصرفون ببراءة وكأن العالم هو بالفعل قرية صغيرة ملكنا جميعًا نحظى كلنا بخيراتها ولهذا لا بد أن نتشاطر المسئولية فيها بالتساوى! هذا غير حقيقى وغير عادل أيضا، فهذا الكوكب ملك الكبار وحدهم، وأسلوب حياتهم الفاجر وطرق استمتاعهم بتلك الحياة هو ما أفسد هواء الكوكب ولوّث مصادر مياهه وأفسد التوازن البيئى لمخلوقات ربنا، كما أن أطماعهم فى التملك ورغبتهم فى النهب والسلب، وحروبهم العدوانية لأجل هذا الغرض هى التى ألحقت بالأرض أكبر الدمار. ومن الطريف المبكى أن هؤلاء الذين لا يريدوننى أن استخدم منشفة جديدة هم أنفسهم الذين زرعوا فى أرض بلادى نصف مليون لغم أثناء حربهم العالمية الثانية ما زالت حتى اليوم تمنع الاقتراب من مساحة شاسعة بصحراء مصر الغربية وتعوق تنميتها وتقدمها.. فأى تصالح مع البيئة هذا الذى يمنعهم من إزالة ألغامهم وتنظيف البيئة؟. كما أنهم أمدوا إسرائيل على الدوام بالسلاح الذى محا قطاع غزة من الخريطة وجعل منه أكبر خرابة يعيش فيها البشر وسط الغبار والنفايات وبقايا القنابل والصواريخ التى لم تنفجر. كذلك هم الذين سمحوا للكيان اللعين بزرع التربة اللبنانية بالقنابل العنقودية التى ستحصد البشر خلال الأجيال القادمة. ولا أحد غير هؤلاء الذين يعشقون البيئة استخدم اليورانيوم المستنفد الذى يجعل الأرض غير صالحة للزراعة بالعراق وأفغانستان وفلسطين، وهم كذلك الذين ألقوا على اليابان قنبلتين نوويتين ما زالت آثارهما باقية حتى الآن. ثم يأتون اليوم ويطلبون منى بكل لطف وأدب ألا استخدم منشفة جديدة من أجل البيئة. سحقًا لهم ولبيئتهم ولكذبهم وتضليلهم وتلاعبهم بنا. لن أكف عن استعمال المناديل الورقية، ولسوف أستخدم من الفوط والمناشف فى الفنادق مثنى وثلاث ورباع، ولن أكون أبدًا ذلك المواطن العولمى العبيط الذى يتقاذفونه مثل الكرة الشراب.

 

 

 

         

 

أسامة غريب روائي وكاتب ساخر
التعليقات