حصاد 2009 .. أحوال التنمية ومعانيها فى مصر - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الجمعة 5 يونيو 2020 8:44 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

حصاد 2009 .. أحوال التنمية ومعانيها فى مصر

نشر فى : الإثنين 28 ديسمبر 2009 - 9:40 ص | آخر تحديث : الإثنين 28 ديسمبر 2009 - 9:40 ص

 لم يكن العام الماضى عاما طيبا بالنسبة للتنمية فى مصر، أيا كان التعريف المتبع فى تعريف التنمية، وأيا كانت صعوبة قياسها. فهناك الكثير من الشواهد، والقليل من البيانات الأساسية المتوافرة التى ترجح هذا الاستنتاج. والسبب فى بدء هذا المقال بالحديث عن تعدد المفاهيم والتعريفات، وصعوبات القياس لا يعود إلى هذا التأثر المعهود بتقاليد مهنة التدريس الجامعى الذى يكسب كاتب هذه السطور قوته منه، ولكن لأن هناك من ناحية هذا الخلاف الحاد بين قيادات الحزب الوطنى الحاكم وحكومته من ناحية، والأغلبية الساحقة من المواطنين من ناحية أخرى حول تقدير الجهود المبذولة فى هذا المجال. ففى الأعوام السابقة كانت هذه القيادات تتفاخر بما حققته من إنجازات على طريق التنمية، بينما لا يرى المواطنون أثرا لهذه التنمية فى حياتهم. وقد أدركت قيادات الحزب الوطنى فجوة الإدراك هذه، ولكنها أرجعتها إلى قصور فى الأداء الإعلامى، ومن ثم فتجسير هذه الفجوة من وجهة نظرها لا يقتضى تغيير مسار التنمية، وإنما يستلزم فقط سياسة إعلامية أكثر فاعلية حتى يعرف هؤلاء المواطنون «الجهلاء» من وجهة نظر هذه القيادات حجم إنجازات الحزب الهائلة فى جميع الميادين.

ومع ذلك فقد جاءت الرياح على الصعيدين الدولى والمحلى منذ خريف 2008 بما لا تشتهيه هذه القيادات، فهناك الأزمات المتعددة التى تفجرت فى وجه المواطنين فى الصحة العامة وفى توافر مياه الشرب والرى وفى السكك الحديدية، وكذلك آثار الأزمة الاقتصادية العالمية التى أصابت الاقتصاد المصرى. ولذلك لم يكن هناك مفر أمام هذه القيادات من الاعتراف بما تسميه تعثرا فى مسار التنمية من تراجع معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى، وهبوط فى حصيلة الصادرات ومعدل تدفق الاستثمارات الأجنبية، وارتفاع فى معدلات البطالة. ولكن التحليل الرسمى لهذه التطورات السلبية أنها عثرات مؤقتة لن تلبث وأن تزول مع استئناف الاقتصاد العالمى مسيرته. ومن ثم ليست هناك حاجة لتعديل المسار..سوف يعود الاقتصاد المصرى للنمو، وسوف تنجح السياسة الإعلامية فى تنوير المواطنين بما لا يعلمون.

وحتى لا يكون هذا المقال نموذجا آخر لحوار الطرشان، فسوف نستعرض مؤشرات التنمية فى مصر فى العام الماضى أو فى السنوات الماضية حسب البيانات المتوافرة وفقا لتعريف التنمية الذى يأخذ به كل طرف. فالواقع أنه لا توجد فجوة إدراك كما تتصور قيادات الحزب الوطنى، فمفهوم التنمية الذى تتبناه هو مفهوم اقتصادى عفا عليه الزمن يقصر التنمية على النمو فى الناتج المحلى وما يستلزمه من ارتفاع عدد من المؤشرات الاقتصادية الكلية، بينما لا يفهم المواطنون التنمية إلا على أنها التنمية الإنسانية بمعناها الشامل، والتى لا تستبعد لا الدولة ولا المجتمع فترتقى بكل منهما، تجعل المجتمع أكثر قدرة وحرية، وتجعل الدولة أكثر استقلالا وفاعلية وبرصيد وافر من الشرعية.

التنمية وفقًا لما تراه الحكومة

تعترف النشرات الحكومية الرسمية بالتراجع فى مسار التنمية الاقتصادية فى مصر خلال العام الفائت، فالنشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزى الصادرة فى أكتوبر 2009 تظهر هذا التراجع بالنسبة للعديد من المؤشرات، فمعدل نمو الناتج المحلى الإجمالى بتكلفة عوامل الإنتاج قد انخفض من 7.2% فى سنة2007- 2008إلى4.5 فى الربع الثانى من سنة 2009، وهى آخر البيانات المتوافرة لدى البنك المركزى، وكان أسرع القطاعات نموا هما قطاعا التشييد والبناء ثم الاتصالات بمعدلات نمو تراوحت بين أكثر من 14% و13% لكل منهما على الترتيب، بينما انخفض النمو فى قطاع الصناعة التحويلية إلى4.5%،وكان قد بلغ أكثر من 7% فى سنة 2007-2008، وظل قطاع الزراعة محافظا تقريبا على نسبة نموه فى الأعوام السابقة والتى كانت تدور حول أكثر من 3%، فوصل فى الربع الثانى من سنة2009 إلى 3.4 %.

هذه بيانات النمو الاقتصادى، ولكن التنمية الاقتصادية هى أوسع بكثير من مجرد النمو الاقتصادى، فهى تعنى تغييرا فى بنية الاقتصاد بالتحول من قطاعات الإنتاج الأولى وهى التعدين والنفط والزراعة إلى قطاع الصناعة التحويلية ثم الخدمات المتقدمة، والتى تعكس ارتفاع معدل الإنتاجية فى الاقتصاد بصفة عامة. وفى هذا الصدد يلاحظ أن الصناعة التحويلية لا تسهم بأكثر من 17% فى توليد الناتج المحلى الإجمالى، بينما ترتفع مساهمة قطاعات الإنتاج الأولى إلى أكثر من الربع ( 26%)، ويأتى أكثر من نصف هذا الناتج من قطاع الخدمات. ومعنى ذلك ببساطة أن الاقتصاد المصرى أمامه شوط طويل قبل أن تلحق مصر بالدول الصناعية الجديدة فى شرق آسيا وجنوبها أو فى أمريكا اللاتينية التى ترتفع فيها مساهمة قطاع الصناعة التحويلية فى كل من الناتج والعمالة والصادرات إلى أكثر بكثير من مساهمة قطاع الصناعة التحويلية فى مصر، حيث تتجاوز مساهمة الصناعة التحويلية فى الناتج المحلى الإجمالى فى هذه الدول30%، وفى العمالة يسهم قطاع الصناعة عموما بحوالى 40% ويقف فى مصر عند 23%. ولا يمكن الاحتجاج فى هذا الصدد بأن الاقتصاد المصرى قد انتقل إلى المرحلة الثالثة من التطور فى بنية الاقتصاد، التى يزداد فيها الاعتماد على قطاع الخدمات الذى يصبح القطاع الأغلب فى الاقتصاد بالدول المتقدمة التى توصف بأنها ذات الاقتصادات بعد الصناعية، فمن ناحية نمو قطاع الخدمات فى هذه الدول يعكس الإنتاجية المرتفعة للعمالة، ومن ناحية أخرى يعكس درجة الرفاهية العالية التى يتمتع بها مواطنوها، وليس هذا هو الحال فى مصر، فالحجم النسبى الهائل لقطاع الخدمات يعكس بالدرجة الأولى النمو المفرط لقطاعات تسود فيها البطالة المقنعة مثل الخدمات الحكومية وتجارة التجزئة والأنشطة غير الرسمية عموما، وهو ما يرتبط بانخفاض معدلات الإنتاجية والدخل وانتشار الفقر وقلة فرص العمل المنتج فى الاقتصاد.

والخطير بالنسبة لهذه المؤشرات الكلية هو أنها تظهر ضعف قدرة الاقتصاد على التوليد الذاتى للنمو، فمعدل الادخار المحلى لا يتجاوز معدلاته المنخفضة تاريخيا والتى تقف عند حد 17% من الناتج المحلى الإجمالى، ولذلك تعول الحكومة على استقدام رءوس الأموال الأجنبية لتعويض فجوة الادخار ــ الاستثمار المطلوب، والمقدر بما لا يقل عن 32% من الناتج المحلى لتوليد معدل نمو سنوى يصل إلى 8% وهو المعدل المطلوب لخلق فرص عمل للساعين الجدد إلى سوق العمل ولاستيعاب البطالة الحالية. ولذلك فربما يثير القلق الحكومى أن تدفقات الاستثمار الأجنبى التى تعول عليها لمواجهة هذه الفجوة قد انخفضت بدورها من 13 بليون دولار فى 2007-2008 إلى نحو 8 بلايين فى2008- 2009. صحيح أنها قد تحافظ على هذا المعدل فى سنة 2009 حيث وصلت إلى نحو 4 بلايين دولار فى النصف الأول من ذلك العام، ولكن يلاحظ أن معظمها يتوجه إلى قطاعات النفط والإسكان الفاخر والاتصالات، وهى عموما إما لا توفر الكثير من فرص العمل أو لا تسهم فى تلبية الحاجات الأساسية لأغلبية المواطنين. ويرجع سبب انخفاض معدل الادخار المحلى جزئيا إلى تنامى معدلات نمو الاستهلاك الحكومى،والتى تجاوزت ضعف معدل نمو الاستهلاك الخاص فى العامين الأخيرين .ووصلت فى الفترة أبريل-يونيو 2008-2009 إلى 17% بينما كان معدل نمو الاستهلاك الخاص فى نفس الفترة أقل من 7%.

التنمية كما يراها المواطنون

مؤشرات التنمية كما تراها الحكومة قد تراجعت فى سنة 2009. وقد تجد الحكومة تفسيرا لهذا التراجع فى الأزمة المالية العالمية، وتتفاخر بأن الاقتصاد المصرى لم يتحول من النمو إلى الكساد، حتى ولو كانت معدلات النمو منخفضة، وأنه قد يشهد معدلات نمو أعلى وإن كان بصورة طفيفة فى العام المقبل.

لا يشاركها المواطنون هذه الرؤية، فالتنمية بالنسبة لهم تعنى مجتمعا قويا ودولة قوية. المجتمع يقوى بقوة أفراده وبحريتهم. والدولة تقوى بقدراتها واستقلالها وشرعيتها. ولم يكن حال المصريين من حيث قدراتهم أو حرياتهم طيبا فى العام الماضى. فهو لم يشهد تحسنا كبيرا فى أوضاعهم، وهو ينتهى وهم أكثر قلقا على أوضاعهم الخاصة وعلى دولتهم كذلك. مازال ثلث المصريين تقريبا (29%) لا يعرفون القراءة والكتابة، وفقا للبيانات الرسمية، وعدد سنوات الدراسة فى المتوسط هو من بين الأقل فى المنطقة العربية، هذا إذا افترضنا أن مدارس الحكومة التى يذهب إليها 80% من النشء تنقل لهم علما أو تربية، وبالإضافة إلى احتلال مصر مرتبة عالية فى نسبة الإصابة بالتهاب الكبد فى درجته الخطيرة، انتشرت أوبئة إنفلونزا الطيور، وارتعدت فرائص الحكومة المصرية كما لم يحدث فى أى دولة أخرى فى العالم أمام وباء إنفلونزا الخنازير، وقد أثار أسلوب مواجهتها لهذين الوباءين السخرية فى العالم. ووفقا للأرقام الرسمية يعانى أكثر من خمس المصريين من الفقر. وهكذا فثالوث الفقر والجهل والمرض مازال يمثل تحديا هائلا للمجتمع والدولة فى مصر، تماما مثلما كان الحال فى بداية القرن العشرين.. فضلا على أن حريات العقيدة والتنظيم والمشاركة السياسية تخضع لذات القيود التى تتعرض لها منذ عقود.

ولم يعد لدى الكثيرين من المصريين أمل فى أن تتمكن دولتهم من قيادتهم على طريق التنمية الإنسانية، ففضلا عن افتقادها للشرعية بعدم مخاطرتها بتنظيم انتخابات حرة ونزيهة، فهى تنهى العام عاجزة عن مواجهة أبسط أزماتها الداخلية والخارجية. هى لا تستطيع إدارة مرافقها الأساسية من مواصلات ومياه بل وحتى نظافة على أى نحو معقول. وهى واقعة تحت نفوذ حفنة من رجال الأعمال لا يدركون حتى مصالحهم هم فى الأجل البعيد، وهى تنهزم بسهولة أمام مطالب إسرائيلية وأمريكية على نحو تتجاهل فيه ليس أى حس أخلاقى فحسب ولكن طنطنتها عن دورها العربى الذى لا ينازع.

لم تكن 2009 عاما طيبا على المصريين ومصر. وقد يكون العام الجديد أفضل وذلك إذا ما توافر شرط واحد، هو أن يغير المصريون ما بأنفسهم من عزوف عن العمل العام وعجز عن العمل المشترك وفهم خاطئ لتعاليم إسلامهم ومسيحيتهم.
أستاذ العلوم السياسية، جامعة القاهرة

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات