فى خضم تصاعد التوتر فى منطقة الخليج حول التهديدات المتبادلة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية بشأن إغلاق مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية، وتأثير ذلك على نقل البترول للعالم الصناعى من دول الخليج، لا يسعنا إلا ربط هذه المسألة بالبرنامج النووى الإيرانى وتطوراته باعتباره المحك الرئيسى فيما ستشهده منطقة الخليج فى المستقبل القريب، ويؤدى بنا إلى طرح تساؤل مهم حول وضعية إيران من معاهدة منع الانتشار النووى ومستقبل الاتفاقية حال اتخاذ إيران قرارا بالانسحاب منها وماهية تأثير هذه الخطوة على منظومة منع الانتشار، خاصة فى منطقة الشرق الأوسط
بداية، اعتمد المجتمع الدولى معاهدة منع الانتشار النووى عام 1968 لضمان الإبقاء على عدد الدول النووية 5 لحين تفاوضها على وقف سباق التسلح والعمل على نزع السلاح النووى كلية، مع الإبقاء على الدول غير النووية على وضعيتها بدون سلاح نووى مع ضمان حقها غير القابل للتصرف فى تطويرها لإمكاناتها النووية السلمية. وعن الشرق الأوسط، اعتمد مؤتمر مراجعة وتمديد المعاهدة عام 1995 قرارا يتعلق بإنشاء منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، خاصة السلاح النووى ونص على ضرورة عقد مؤتمر دولى لهذا الغرض، وأخيرا بعد طول عناء وافقت الدول فى مؤتمر مراجعة عام 2010 على عقد هذا المؤتمر فى فنلندا خلال عام 2012 الجارى.
وهنا نتذكر تطوير كل من العراق وكوريا الشمالية لبرامج نووية عسكرية وانسحاب الأخيرة من اتفاقية منع الانتشار مما سبب حالة من البلبلة وأزمة ثقة بين الدول النووية والدول غير النووية، فعلى الرغم من التزام الدول غير النووية بعدم التسلح النووى فإن حالات مثل كوريا الشمالية والعراق، وايران حال تطويرها لسلاح نووى، تؤدى إلى أن تعيد الدول غير النووية حساباتها عن أسباب التزامها بنظام منع الانتشار الذى يفقد فعاليته من جانب ويؤدى إلى خروجها من استراتيجات موازين القوى والأمن العالمى التى لا تزال ترتكز على أسلحة الدمار الشامل.
ومما يزيد من أزمة الثقة التحولات فى السياسية النووية الأمريكية حيال الخوض فى اتفاقيات تتعلق بتطوير البرامج النووية العسكرية مع الدول النووية غير الأعضاء فى اتفاقية منع الانتشار على غرار الهند وإسرائيل خرقا لالتزاماتها وفقا للمعاهدة، ومن ثم تسهم بذلك دولة نووية فى زيادة التطور النووى العسكرى لدول تخرج من نطاق منظومة منع الانتشار بالكامل.
●●●
وفى إطار هذه التطورات علينا مراجعة المسألة الإيرانية، فإيران بالفعل دخلت فى دائرة منتجى بعض المعدات النووية مما جعلها تكسر حاجز الاحتكار للدول المصدرة للمواد والمعدات النووية السلمية، والآن وعلى الرغم من عدم ثبوت تطوير إيران لسلاح نووى، فإن الشبهات لا تزال تحيط ببرنامجها، والمتوقع أنها سوف تنسحب من اتفاقية منع الانتشار، سواء عند تطوير السلاح أو تطوير منظومتها الدفاعية التقليدية لحماية منشآتها النووية السلمية، والتى تعتبرها إيران الآن مسألة كبرياء وطنى، وفى تلك الحالة ما العواقب المتوقعة بالنسبة لنظام منع الانتشار؟
والإجابة عن هذا السؤال تكمن فى المأزق الذى سيواجه الدول أطراف الاتفاقية ليس فقط من قبل الدول النووية الرافضة لفكرة انسحاب الدول من الاتفاقية ولكن أيضا من قبل الدول غير النووية، وفى مقدمتها دول الشرق الأوسط، خاصة الدول العربية، التى لا تزال تسعى لنزع السلاح النووى الإسرائيلى، وستجد نفسها فى مواجهة مع دولة أخرى مسلمة هذه المرة، تهدد أمن الخليج بشكل مباشر، كما سيتطلب الأمر منها إعادة حسابات موازين القوى لما ستتأثر به المنطقة بناء على المتغيرات فى القدرات العسكرية والصناعية لدولة بحجم إيران.
●●●
إن التغيرات فى شكل الحكم فى دول الشرق الأوسط والتى لا تزال فى مهب الريح، تسهم فى صعوبة التنبوء بتوجهات السياسة الخارجية للحكومات الجديدة إزاء مثل هذه التطورات، إلا أن السؤال الملح الذى لا يمكن تجاهله هو ماذا استفادت الدول غير النووية من التزامها الكامل بمعاهدة منع الانتشار وما عائد ذلك على تطورها العلمى المرتبط بالتطور فى القدرات النووية السلمية؟ هذا بالإضافة إلى أثر ذلك على موازين القوى فى منطقة الشرق الأوسط لصالح إسرائيل دون غيرها من دول المنطقة، فهل آن الآوان للعب بجميع الأوراق لصالح الدول العربية أم ستنتظر لحين وصول القطار المجرى لمحطته بينما لا تزال حكوماتها تلتقط أنفاسها من نظم خربتها على مرعقود من الزمان؟