وأنا أفكر فى كتابة هذه المقالة عن الحروب، وكيف بالإمكان أن يتجبر أحد الزعماء الموتورين ومن المرضى النفسيين ليطغى ويتجبر لاختيار الحرب الطاحنة لفناء هذا العالم.
لم تعد الحروب فى عصرنا كما كانت فى الأزمنة الماضية، والتى كانت المعارك تُدار فى ساحات محددة وجيوش متقابلة، حيث يغلب من كان أمضى سيفًا وأكثر تدريبًا ولياقة بدنية، وكان المدنيون بعيدين عن القتل والتقطيع وليسوا فى خطوط المواجهة! أما الآن فقد أصبح المدنيون فى قلب المواجهة، بل من الأهداف الأساسية لها على أنواعها، ومع تطور أدوات الصراع بات الإنسان كالريشة فى مهب الريح، وذلك مع التقدم العلمى فى استعمال الحروب البيولوجية والنووية والسيبرانية والذكاء الاصطناعى، والتى سأختصر الحديث عنها بقدر الإمكان، مما يثير قلقًا عميقًا لدى الجميع، وإن آثار هذه الحروب لا تتوقف عند حدود زمنية أو جغرافية.
فالحرب النووية، على سبيل المثال، ليست مجرد انفجار هائل يدمر مدينة أو أكثر، وإنما خطرها الحقيقى يكمن فى ما بعدها. فهذه الإشعاعات قد تبقى فى البيئة لسنوات طويلة، فتلوث التربة والمياه والهواء، وما يعرف بالشتاء النووى، وبكميات هائلة من الدخان والغبار النووى تصل إلى طبقات الجو العليا، مما يؤدى إلى انخفاض درجات الحرارة، وتغطية الشمس، والتسبب فى تعطيل الزراعة وانتشار المجاعات بسبب انهيار الإنتاج الغذائى، وصحة الأجيال القادمة بمعاناتها من أمراض سرطانية متنوعة، وتشوهات خلقية ودماغية ونفسية لا حصر لها فى العقود القادمة!
وهناك الضغوط الاقتصادية كسلاح غير مباشر، بتقطيع وسائل الإمداد عن دولة، فيرتفع سعر الغذاء والدواء والطاقة، ويصبح المواطن تحت ضغوط حياتية مرهقة، وتتحول الحرب من مواجهة عسكرية ومعركة إنسانية للإضرار بالبشر.
وأما الحرب السيبرانية، والتى تعتمد على الهجمات الإلكترونية واختراق أنظمة الكهرباء والماء وأنظمة المستشفيات والمطارات، فتؤدى إلى اضطراب واسع فى حياة المجتمع.
وهناك الحرب البيولوجية، وهى الداهية الصامتة الكبرى، والتى لا تعتمد على الصواريخ أو القنابل أو الرادارات، بل تعتمد على نشر الفيروسات والبكتيريا المعدلة جينيًا بسرعة كبيرة، وحينها يصبح الخوف المرعب من بعضنا البعض، ومن الحيوانات على أشكالها، ومن كل ما من حولنا، كما عانيناه فى زمن الكورونا كتجربة فى منتهى القسوة والذل الذى عشناه ونحن فى بيوتنا معزولين عن بيئتنا وعالمنا الذى أصبح مليئًا بانتشار الأمراض العضوية والنفسية والقلق، وكيف أن فيروسًا بذلك الحجم تسبب فى تحجيم حياتنا بالكامل.
لذا نجد أن فكرة الأمراض كسلاح فى الحروب المتنوعة لا تزال تثير قلقًا أخلاقيًا وإنسانيًا لأنها تستهدف الإنسان قبل كل شيء وتهدد حياته.
ونأتى الآن إلى حروب الذكاء الاصطناعى، والتى تعمل بقدرات التحليل للأنظمة الذكية واتخاذ القرار، والتى تفوق سرعة الإنسان. لذا، فالطائرات المسيرة والأنظمة الدفاعية والروبوتات هى التى أصبحت تدير المعارك، وهذا يثير جدلًا أخلاقيًا كبيرًا حينما تتمكن الآلة من إدارة الحروب، ويطرح سؤالًا مهمًا حول تحمل الخطأ والمسئولية الإنسانية بتحكم الآلة الكامل بقرارات الإنسان.
كما أنه بإمكان ذلك الذكاء تزييف صور الهجوم وضرب المواقع الكاذبة ونشر الفيديوهات المزيفة عبر وسائل التواصل الاجتماعى. ويبرز السؤال والمساءلة: متى ومن سيتمكن من وضع الضوابط الأخلاقية والقانونية للتكنولوجيا حين تخطئ وتدمر؟
لنرى أن مسئولية دول العالم فى الحفاظ على السلام وتحمل ردود فعل المسئولية السياسية والإنسانية والعلمية فى مثل هذه الحروب مشتركة، بحيث إنها لا تسمح بأى حال من الأحوال لأى كائن اللعب بمقدراتنا، والإصرار على وضع ضوابط وأنظمة عالمية تعاقب من يسيئ لأمن العالم بشدة، ومن يقوم بالأعمال الإجرامية والهمجية لإشعال الحروب التى قد تمتد وتفنى البشر كما فنى البشر منذ قرون مضت.
واختتم الحديث بالسؤال: هل سنرى أيامًا أكثر هدوءًا وحكمة وإنسانية وأمانًا من قبل من يحكمون هذا العالم الذى أصبح فى مهب الريح، وكيف أن انتشار الحروب والتهجير أصبح منتشرًا فى معظم بقاعه؟ أم أن تطور الآلات الحربية سيعمى الإنسان عن حكمة البشر وفناء العالم؟
طبيبة وفنانة تشكيلية وكاتبة