اللعب أمام المرايا - يوسف الحسن - بوابة الشروق
الخميس 25 فبراير 2021 7:28 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعد السماح بعدم حضور الطلاب في المدارس.. كولي أمر:

اللعب أمام المرايا

نشر فى : الأربعاء 29 أبريل 2009 - 5:18 م | آخر تحديث : الأربعاء 29 أبريل 2009 - 5:18 م

 فى مجتمع «الثكنة» الإسرائيلية، يعاد هذه الأيام إنتاج مفهوم قديم، أشاعته النازية فى أربعينيات القرن الماضى حول السلام، حيث اعتبرت أن الحرب هى أقصر الطرق إلى السلام. وكان «السلام» النازى يعنى السيطرة على الأراضى المجاورة والهيمنة على الشعوب الأخرى، من خلال الغزو بالقوة المسلحة، واستخدامها بشكل مفرط.

فى مجتمع «الثكنة» الإسرائيلية، يتطور الآن الخطاب السياسى السائد بشكل دائرى، ليعيد إنتاج هذا المفهوم النازى للسلام، وصولا إلى المربع الأول، مربع القوة كمعيار وحيد لحل الصراع العربى ــ الإسرائيلى، وفق رؤية صهيونية عنصرية، مرجعيتها الخرافة وإسكات التاريخ الفلسطينى، ونظرية الإحلال.

اختارت إسرائيل، على مر العهود الماضية، أن تبقى قلعة حصينة، خلف جدر حديدية أو إسمنتية مسلحة، تعيش على قوة الردع، بما فيه الردع النووى، وعلى الرهان الدائم على خلق وتعزيز تنافر وصراعات وانقسامات بين الدول العربية. والنظر إلى التفاوض من أجل السلام، باعتباره «عملية» يسهل تفريغها من أى مضمون وطويلة المدى، ويتم فيها تقديم تنازلات عربية وفلسطينية ــ على شكل متوالية ــ من حساب الحقوق الثابتة غير القابلة للتصرف.

وها هم اليوم، قادة هذه الثكنة الاستيطانية، يواصلون لعبة تكريس الواقع الاحتلالى والاستيطانى، ويبدو أنه كلما جنح العرب إلى السلام، سال المزيد من لعاب مجتمع «الثكنة» على المزيد من الأرض، والمزيد من انتهاك حقوق العرب وكرامتهم.

ومن المضحك المبكى، أن من كان يتسوّل الاعتراف بحقه فى البقاء قبل أكثر من ستين عاما، أصبح اليوم، هو الذى يمنح هذا الاعتراف أو يحجب هذا الحق عن فلسطينيين وعرب، وأحيانا عن غير العرب.

مفاوضات السلام مع الفلسطينيين، التى مازالت مستمرة منذ أكثر من عقد ونصف العقد، ووفق الإستراتيجية الصهيونية، لا يحكمها مبدأ إنهاء الاحتلال وإزالته، وإنما سياقات تفاوضية مرتبكة تبحث عن «حلول» أو «مخارج» لـ «خلاف حدودى» ولنزاع حول إدارة أماكن مقدسة وأراض مختلف على ملكيتها.

وفى ظل هذا الواقع الذى تصنعه القوة الإسرائيلية على الأرض، حربا واستيطانا وتهويدا وقضما للأرض، تجرى عمليات التخدير والطلاء الدولية لما تسمى «عملية السلام» الجارية. ويتم التربيت على أكتاف شارون وأولمرت ونتنياهو وليبرمان، والمحصلة لا تحتاج إلى إبانة. وتفاصيلها وتجلياتها مبثوثة فى شقاء الفلسطينيين، ونسيج حياتهم، بدءا من اليومى العابر، حتى الكلى المتعلق بالأمل والمستقبل، ومرورا بشلال الدم المتدفق، وتصاعد نزعات الغلو والكراهية الجماعية.

من حق العرب، وبخاصة مَن جَنح منهم للسَلّم، ألّا يظلله أحد فى المجتمع الدولى بعد الآن، وأن يقول له هذه الأيام «أعطنا المزيد من التنازل لطمأنة الشعب الإسرائيلى»، فعلى الأرض لم يبق ما يمكن التنازل عنه، وإذا تواصل مسلسل الاستيطان والاجتياحات والحصار والكانتونات، فإن الفلسطينيين سيفاوضون وهم واقفون فى العراء البارد، وعلى قارعة طريق ترابى بين حاجزين عسكريين.

نعرف أن كثيرين من ساسة العالم، وبخاصة فى أوروبا، قد ضجروا وأصابهم الغثيان بسبب السياسات الإسرائيلية المراوغة، وخطاب الغاب السائد فى الثقافة الإسرائيلية، ونعرف أن الذاكرة الأوروبية مازالت مسكونة بأشباح آثمة إزاء اليهود خلال الفترة النازية. لكن العدالة والشرعية الدولية والموقف الأخلاقى، قد آن الأوان لحضورها واحترامها وفرضها على ضحية الأربعينيات، خاصة بعد أن أصبحت هذه الضحية جلاّدا محترفا فى الإبادة والابتزاز وانتهاك القانون الدولى الإنسانى وقرارات الشرعية الدولية.

مطلوب من قادة أوروبا الفاعلين، ومن دعاة التغيير فى واشنطن، عدم التهرب من مواجهة اللحظة الحرجة والحاسمة فى الشرق الأوسط. فالمبادرة العربية للسلام، مازالت حتى هذه اللحظة على الطاولة، رغم صمت وخذلان العالم لها طوال السنوات السبع الماضية. وقد تواصل خلالها الاحتلال وتعززت شروره وتداعياته.

إن المشهد العام العربى والفلسطينى الآن، مخلخلٌ بشكل غير مسبوق، وهو أحوج إلى التماسك وإلى ديناميات الجمع لا القسمة والتشرذم والتذرر. وبدون التماسك.. لا قيمة للمبادرة العربية للسلام، سواء بقيت على الطاولة أو تبخرت فى الهواء وانتهت صلاحيتها.

ثمة تحولات عاصفة تجرى فى فضائنا ومحيطنا، تمس المصالح العربية فى عصبها الحى. وما لم تتوصل القوى الحية ومؤسسة القمة العربية فى وطننا العربى، إلى ممارسات إنقاذية لاستدراك ما يمكن استدراكه، ووقف التذرر فى المواقف، فإننا سنجد أنفسنا ــ فرادى أو مجتمعين ــ متورطين بالمزيد من خطوط الخلاف، ما يجهز على آخر ما تبقى من رجاء، لتجاوز حالة الاستنفاع السياسى التى نعيشها.. عندها فقط، ستصبح المبادرة العربية للسلام وهى فى أيدينا أو فى خطابنا، مثل الكرة التى نلعب بها أمام المرايا، فنسجل أهدافا فى مرمانا ليس إلاّ.

يوسف الحسن  مفكر عربي من الإمارات
التعليقات