مدن ولا فى الروايات - داليا شمس - بوابة الشروق
الجمعة 5 مارس 2021 10:27 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد سن قانون يلزم بتحديد النسل لحل مشكلة الزيادة السكانية؟

مدن ولا فى الروايات

نشر فى : السبت 30 يوليه 2016 - 9:30 م | آخر تحديث : السبت 30 يوليه 2016 - 9:30 م
صور تثب للذاكرة عن هذه المدينة أو تلك، مع كل انفجار يهز أرجاءها. أهرع إلى المدن التى عرفتها من الكتب، إلى الروايات والأشعار، فى محاولة لاستعادة مكان فى زمن معين، بعيدا عن حوادث القتل المجنونة والعبثية. آخذ إجازة الصيف، كما أريد، بالطريقة التى أريد، عندما ألوذ بمدن المؤلفين، وهم أصحاب هوى، أصحاب انحياز، يعتمدون على الذاكرة، والذاكرة مهما حاولنا الدقة هى خادعة، ماكرة، تقول الأشياء التى تعنيها فقط أو ما تعتبره مهما، وفقا لمقاييسها.

وعلى هذا النحو لا يبقى فى مخيلتى عن نيس سوى الضوء وحلاوة شمسها وقصة حب الشاعر والقاص أبولينير للفتاة «لو» التى التقاها هناك أو حتى نيس العمالية كما يرويها لويس نصيرة، فيحملنا بعيدا عن أجواء شارع متنزه الإنجليز الشهير، أو أهرب إلى مكتبة فيسكونتى حيث كان يجتمع الأدباء والمثقفون فى نهاية القرن التاسع عشر. تحدثوا جميعا عن النور المفعم بالحيوية والأفكار، نور يكثف الأشياء من حولنا فلا يترك منها إلا ما يخدم حكاياتهم، فالمدن أيضا حكايات، وكل مكان يفرز نمطا مختلفا من الحكايات.

***

وعلى الحافة، حيث يلتقى الشرق والغرب، ما بين أوروبا وآسيا، تقف إسطنبول، مرة أخرى أرفض أن تتشح مدينة جميلة بالسواد، فتعلو فى أذنى أصوات الطيور على البوسفور وأصوات صناع المراكب على جعجعة الرصاص والقنابل. تطغى على الصورة تفاصيل تخص عائلة أورهان باموق كما يرويها فى كتابه الشهير عن إسطنبول، أبحث عن العمارة التى سكنوا فيها كما وصفها، فالمكان يكتسب ملامحه من خلال البشر الذين عاشوا فيه. نرى المدينة من خلال عينى إنسان عاش ذاك الزمن فى ذلك المكان، ويقول كيف رأى الأشياء وتعرف عليها. وهو ما يفعله أديب تركى آخر، وهو نديم جورسل، عندما يصحبنا فى جولة بالمدن التى أحب، متنقلا بين إسطنبول وباريس وفينيسيا والإسكندرية وبرلين وموسكو. تلاحقنا أرواح الشعراء الذين قتلوا أو انتحروا فى مؤلفه «عن الكتاب ومدنهم» الصادر بالفرنسية قبل عدة سنوات، معه تتحول المدينة إلى كلمات، وتتيح قراءاته إمكانية جديدة للكشف والاكتشاف.

***

ومن إسطنبول أذهب إلى ميناء طنجة بالمغرب، قارنهما قديما الكاتب بيير لوتى الذى ترك لنا عدة كتب انطباعية عن أسفاره. وقد اعتبر أن المدينتين هما بمثابة دعوة دائما للسفر والتجوال، فالبوسفور فى حالة إسطنبول، والبحر المتوسط والمحيط الأطلسى بالنسبة لطنجة، يشجعان على التحليق بعيدا، ويجعلانك على استعداد دائم للرحيل.

وبالطبع لا يمكن أن يأتى ذكر هذا الثغر الماجن دون أن نقتفى أثر «سى محمد، ولد طنجة» أو الكاتب محمد شكرى الذى دفن بالمدينة عام 2003، بعد أن جعل العالم كله يعيد اكتشاف مدينته التى قدم إليها من الريف حيث ولد، على إثر مجاعة. ندلف إلى أسرارها وشوارعها وأسواقها التى ألهمت الكثير من الكتاب خاصة الذين أقاموا فيها فى خمسينيات وستينيات القرن الماضى: تينيسى وليامز، جان جنيه، بول بولز، ترومان كابوت، مارجريت يورسنار،... لكن يبقى محمد شكرى هو الأثير لدى، هو من جعل أسطورة المكان باقية فى الأذهان كما وصفها فى «الخبز الحافى» أو«السوق الداخلى» أو «زمن الأخطاء»، بنكهته الذاتية، على طريقة الكتاب المغاربة حين يتملكون المدينة من خلال نصوص شخصية وسير ذاتية.

أقرأ عن تفاصيل حياة محمد شكرى فى طنجة، قبيل الرحيل، وكيف كان يعيش وحيدا مع كلبه، فوق سطح أحد المنازل، متنقلا بين بارات ومطاعم الشاطئ، لا حاجة للبحث عن عنوانه فالجميع كان يعرف خط سير من خلد ذكرى مدينتهم وعلم نفسه بنفسه.

***

الموانئ القديمة تتشابه فى مكان ما، فالمشهد نفسه قد يتكرر من بلد إلى بلد، بخلاف مدينة أخرى مغربية ساحرة وهى فاس التى تمضى وكأنها تتحدى الزمن، وقد ساهم الأدب فى إظهارها بهذه الصورة، داعما فكرة ثقل التقاليد والحكم والهوية الثقافية. قبل سنوات عندما هزتها بعض الانفجارات، ظللنا نتأمل أن يكون وراءها مزحة أطفال قاموا بإطلاق شهب اصطناعية من سطح منزل أسرتهم، فلا أحد يرغب فى أن يتغير شىء مما هو محفور فى المخيلة عن كل هذه المدن وغيرها، من خلال الصور الأدبية، نريد أن تظل كما هى فى الروايات، ملهمة، عابقة، تسعى لاحتوائنا أو حثنا على الرحيل. نريدها أن تبقى لنسافر إليها، ونقيم فيها، ويراها كل منا على طريقته.
التعليقات