مع محمود درويش فى منفاه الأجمل - العالم يفكر - بوابة الشروق
الأحد 20 سبتمبر 2020 12:55 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

مع محمود درويش فى منفاه الأجمل

نشر فى : الخميس 30 يوليه 2020 - 9:20 م | آخر تحديث : الخميس 30 يوليه 2020 - 9:20 م

نشرت مؤسسة الفكر العربى مقالا للكاتب «إبراهيم العريس»... نعرض منه ما يلى.
يقول الكاتب: كانت مرحلة العامَين 1972/ 1973، مرحلة ترقُّب فى تاريخ المنطقة. وكانت تلك هى المرحلة التى وصل فيها محمود درويش إلى بيروت قادما من القاهرة ليعيش منفى جديدا من مَنافيه الكثيرة. جاء محمود من القاهرة وقد وصلها من موسكو رافضا أن يعود إلى فلسطين التى يطارده مُحتلّوها.
أحبّته القاهرة، إلى درجة أنّ محمّد حسنين هيكل أفرد له مَكتبا فى «الأهرام» جوار نجيب محفوظ ويوسف إدريس وعائشة عبدالرّحمن وغير بعيد من توفيق الحكيم. فى القاهرة تعرّف إلى محمّد عبدالوهّاب والأبنودى ودنقل وعبدالحليم حافظ وكلّ أبناء جيله من الشعراء. لكنّه ذات لحظة عرف تماما أنّ الحداثة هى فى مكان آخر: فى بيروت.
تعرّفتُ إليه حينها وسط حدثٍ «تاريخى» أنا الذى كنتُ أقرأ أشعاره منذ سنوات وأحفظها عن ظهر قلب: كان ذلك فى بيت الشاعر أدونيس فى منطقة الأشرفيّة «المسيحيّة».
ويستطرد الكاتب قائلا: كنّا كثرا من كتّاب وفنّانين تشكِّل بيروت خيمَتنا معا. وكنّا قد بدأنا نتلهّف للقاءِ محمود درويش. وهو منذ وصوله أدهشنا بمعرفته بنا واحدا واحدا، بما فى ذلك سليم بركات الذى سوف يُصبح من أقرب أصدقائه إلى قلبه، والذى قرأ له أدونيس قصيدة رائعة هى «دينوكا بريفا.. تعالى إلى طعنة هائلة». كانت قراءة أدونيس لقصيدة بركات أوّل دخول لهذا الأخير الذى جلس متكوّما على الأرض كقطٍّ متأهِّب. لكنّ المُفاجأة أنّ محمود درويش كان يعرف القصيدة. كيف؟ من أين؟ لم نعرف أبدا.
سنوات بيروت

يضيف الكاتب: لاحقا فى باريس سيقول لى محمود درويش إنّ سنوات بيروت كانت أغنى سنوات حياته، وربّما أقساها أيضا. أحدثت فيه وفى شِعره أعمق تبديل. كما كانت تغيّرا نحو ما هو أسوأ: أفقدته سنوات بيروت يقينيّاتٍ كثيرة، على المستوى الفلسطينى والعربى. أفقدته تسامُحا ما مع قوميّة عربيّة كانت ترسّخت لديه فى فلسطين المحتلّة على الرّغم من شيوعيّته التى سهّلت عمله المُناضِل مع الحزب الشيوعى الإسرائيلى.
ولئن كان محمود درويش قد اعتبر دائما سعيد عقل واحدا من «أساتذته» فى الشعر، فإنّ انكشاف فاشيّة هذا الأخير وعدائه للفلسطينيّين، كان واحدة من خَيباته الكبرى، حتّى وإن كان كلّ ما بدر من عقل.
لا شكّ أنّ ظروف الوجود الفلسطينى المسلّح فى لبنان عقّدت الأمور كثيرا بالنسبة إلى شاعرٍ كان يرى الأمور أكثر بساطة. فمحمود كان يرى أنّ بيروت قد صارت مِلْكَ كلّ مَن يحلم بنظامٍ آخر فى مكان آخر، واتّسعت لصياغة فوضى ذات جانب تعويضى حلّت فى كلّ غريب عقدة الغربة.
لن يفوتنى هنا أن أُذكّر كم أنّ السينما التى اكتشف محمود درويش أهميّتها الفائقة فى بيروت، لعبت دَورا كبيرا فى تبدّلاته. وفى هذا السياق لا بدّ من استعادة مُشاركته الدائمة والدائبة فى عروض «النادى السينمائى العربى». وفى سياق السينما أيضا أذكر كيف قال لى محمود مرّة فى باريس فى معرض تذكّرنا تلك الأيّام: أشد ما أذهلنى أوّل وصولى إلى بيروت عجزى عن الحصول على بطاقة لمُشاهدة فيلم لبرغمان فى صالة تجاريّة لبنانيّة بعد ظهر يَومٍ عادى!

ضَيف دائم على حفلات منزلى

مُشاركتى فى أوّل استقبال لمحمود درويش فى بيروت، ثمّ انضمامه إلى نادى السينما، عزَّزا حينها من علاقتى به، فصار ضيفا دائما فى الحفلات التى كنتُ أقيمها فى منزلى لمناسبات مُختلفة. وهناك عندى كان محمود يلتقى شعراء الجنوب والتقى مارسيل خليفة وخالد الهبر وتعرّف إلى الأغنية السياسيّة على الطريقة الحزبيّة اللّبنانيّة، واستمعَ من الشاعر حسن عبدالله إلى القصيدة الجديدة التى كَتبها هذا الأخير تحيّةً لابنتى رلى لمناسبة عيد ميلادها. وفى تلك الأثناء صار محمود شبه عرّاب لعملنا الثقافى فى جريدة «السفير». وحتّى وإن كان سيشعر بالمرارة لاحقا من خلال فتحى صفحات «السفير» لشعراء لبنانيّين راحوا يُهاجمونه، وهو أمر لم يغفره لى أبدا!، بكلّ هذا صار محمود درويش ضميرا حيّا لنا.
لقد عاش درويش بيروتيّته بزخمٍ وقوّة. وهو لئن كان سيتخلّى عن ذلك كلّه ويُغادر بيروت فى العام 1982 تحت وطأة الاحتلال الإسرائيلى لبيروت، فإنّه سيبقى على حبّه لهذه المدينة التى عاشها بكلّ زخمها فى سنوات الحرب. وفيها كما عنها كتبَ أجمل وأقوى أشعاره، وذاق بنّ قهوتها الذى سيعتبره أطيب بنّ فى العالَم. ولعلّ خير دليل على هذا أنّ محمود درويش سيتحدّث عن بيروت لاحقا، وهو فى باريس، وكأنّها فردوس آخر مفقود بالنسبة إليه فقْده لفلسطين. ومن هنا حين عاد درويش إلى بيروت بعد سنوات من مُغادرته لها ليُقيم حفل إلقاءٍ شعرى صاخب، فوجئ بالمدينة تستقبله بحبّ ودهشة، بيد أنّه كان من الصعب عليه أن يدرك أنّ بيروت إنّما استقبلته ذلك الاستقبال لأنّها، وكما سيقول له جوزف سماحة، كانت تحتاجه أكثر ممّا هو يحتاجها. فالمدينة التى كانت قد كفَّت فى تلك الأثناء عن أن تكون «العاصمة السحريّة الغرائبيّة للثقافة العربيّة» بحسب توصيف درويش القديم لها، وَجدت فى الشاعر، نَوعا من ربطٍ لحنينٍ بات الآن وَهْما لا أكثر.
يختتم الكاتب بقوله: كان درويش يرى، وكنّا نرى معه أيضا، أنّ بيروت كان لها تأثيرها الذى لا يُضاهى فى حياته وفى شعره، هى التى نقلته من بداياته المجيدة كشاعر مُقاوَمة مُبدِع وصاخِب، إلى مراحله الباريسيّة الأخيرة كشاعرٍ إنسانى كبير، تمكّن وهو فى أوروبا من رفْع صورة القضيّة الفلسطينيّة إلى مصافّ التراجيديّات الإنسانيّة الكبرى، التراجيديّات اليونانيّة الملحميّة التى ظهَّرت أروع ما فى النفوس وأثْمن ما فى الكائنات البشريّة، والتى سيقول كثرٌ من النقّاد الفرنسيّين والغرباء الآخرين المُقيمين فى فرنسا، إنّ شعر محمود درويش، ولاسيّما فى مراحله الأخيرة، قد بات يبدو وكأنّه جزء منها، ويقينا أنّ الشعر والنثر اللّذَين كتبهما فى بيروت كانا دائما فى أساس تلك النقلة.
النص الأصلى:
https://bit.ly/2X6iraJ

التعليقات