الذكاء الاصطناعى بين ضفتى العقل والروح - العالم يفكر - بوابة الشروق
الجمعة 2 يناير 2026 4:34 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

الذكاء الاصطناعى بين ضفتى العقل والروح

نشر فى : الخميس 1 يناير 2026 - 7:10 م | آخر تحديث : الخميس 1 يناير 2026 - 7:10 م

دخل العالم عصر الذكاء الاصطناعى بقوة، مستندًا إلى ثورة تكنولوجية غير مسبوقة غيرت ملامح الحياة بتجلياتها وظواهرها المختلفة، وأحدثت تحولات عميقة فى أنماط التفكير وأساليب العيش. غير أن هذا المسار العلمى المنصرف كليا إلى تسريع وتيرة التطور وإشباع حاجات الواقع المادى، نادرا ما يلتفت إلى دروس الماضى وعبره أو إلى احتياجات الإنسان غير المادية من قيم روحية وثقافية وتراثية، وهى مقومات لا تقل أهمية عن إشباع الحاجات المعيشية، بل تفوقها فى قدرتها على صون التوازن النفسى والاجتماعى.
هنا تبرز أسئلة مقلقة: هل يضمن هذا التحول رخاء الإنسان وسعادته الحقيقية؟ ما المخاطر المترتبة على الارتهان الكامل له؟ ألسنا مهددين بأن نجد أنفسنا، بعد بهوت نشوة الانبهار العلمى، أمام فراغ روحى يولد أزمات نفسية ووجدانية تمس عمق الذات البشرية وتفرغ منجزات العلم من معناها الإنسانى؟ وكيف يمكن للذكاء الاصطناعى أن يتعامل مع أبعادنا الأخلاقية والوجدانية، أو أن يحافظ على منظومة قيمنا وهويتنا الثقافية والعقائدية فى وسط هذا السيل الجارف؟ وما الخطر الذى يتهدد الإنسان حين يختلط وهج التقنية بمكونات روحه وعقيدته وتراثه؟
• • •
من هنا يبدأ التحدى الحقيقى: أن نواجه هذه الأسئلة بوعى ومسئولية، لإعادة إنتاج منظومة قيمية وثقافية تواكب العصر من دون أن تخل بتوازن الإنسان، وتحول دون هيمنة القوانين العلمية الصارمة على حساب المشاعر والأحلام والخيال. فمهما بلغت قدرات الذكاء الاصطناعى فى حل أعقد المسائل العلمية، سيبقى عاجزا عن الإجابة عن أسئلة الوجود والمعرفة وعن حسم القضايا الفلسفية التى شغلت العقول منذ أفلاطون والغزالى وابن رشد وحتى يومنا هذا. فالذكاء الاصطناعى قادر على المحاكاة والتعلم، لكنه يفتقر إلى التجربة الوجدانية التى تكسب الإنسان تفرده.
هنا تبرز ضرورة ألا نستسلم لسطوة التكنولوجيا، ولا نرمى جانبا ما راكمته الإنسانية عبر القرون من أدب وفن وشعر ولغات وعلوم إنسانية، فهذه المجالات هى الوعاء الذى يحفظ التجربة البشرية ويهذب منجزات العلم. لذلك يجب ألا تهمل العلوم الإنسانية مقابل التكنولوجيا، بل لا بد من وضعهما فى موقع التكامل لتحقيق الهدف الأسمى: إسعاد الإنسان ورفع مستوى حياته المادية والروحية معا. إن الفصل بين العلوم البحتة والعلوم الإنسانية لهو خطأ جسيم. فالعلم من دون قيم طاقة بلا اتجاه، والروح من دون معرفة عاطفة بلا أداة. لقد كانت العلوم الإنسانية عبر التاريخ منبع التفكير النقدى والذكاء العاطفى، والمصدر الأعمق لإشباع الحاجات الروحية للمجتمعات. إلا أن الواقع المعاصر يكشف عن تراجع خطير فى الإقبال عليها فى معظم الدول العربية؛ ففى لبنان مثلا، انخفض عدد المتقدمين لشهادة الثانوية العامة فى فرع الآداب والإنسانيات خلال عقد واحد بنحو 90%، ولم يتجاوز عدد الناجحين هذا العام بضع مئات مقابل الآلاف فى فروع العلوم العامة. هذا التراجع يشير إلى تآكل منظومتنا القيمية، ووأد الإبداع الفكرى، وتراجع خطابنا الثقافى والإنسانى، وصولا إلى اضمحلال القيم التى تحفظ توازننا الحضارى.
لقد أدركت قوى الهيمنة العالمية هذا الخلل فاستغلت ضياعنا الفكرى لتثبيت نفوذها؛ إذ بعد تفوقها العسكرى والتقنى راحت تتسلل إلى أعماقنا الثقافية لتفكك منظوماتنا الأخلاقية وتغرس فينا عقدة النقص أمام أنموذجها الحضارى. ومع انبهارنا الأعمى بالتقنيات الحديثة، انجرفنا وراء ثقافة التفاهة التى تدعمها وسائل التواصل وتختبئ وراء شعارات الانفتاح والحرية، حتى باتت مجتمعاتنا مهددة بفقدان هويتها الروحية وبإغراق أجيالنا فى الاستهلاك واللهو على حساب الفكر والإبداع.
• • •
إن الابتعاد عن مواقع قوتنا الحضارية سيؤدى حتما إلى سقوطنا أمام القوى الطامعة. لذلك علينا أن نعيد الاعتبار لعلومنا وثقافتنا ولغتنا العربية التى تتعرض لتهميش خطير، وأن نرفع مستوياتنا الفكرية واللغوية والقيمية، ونعزز معرفتنا بتاريخنا المضىء منذ فجر الحضارة العربية - الإسلامية حتى العصر الحديث. كما يجب أن نرسخ ثقافة العيش المشترك والألفة بين شعوبنا وسائر الأمم؛ وعليه نرى أن القيم الإنسانية التى تجمعنا هى أوسع من كل الفوارق. وأولى الخطوات نحو هذا الهدف تكون بإعادة التوازن بين من يتجهون إلى العلوم التطبيقية ومن ينخرطون فى العلوم الإنسانية، وتشجيع الشباب على دخول ميدان الإنسانيات الحيوى وتأمين فرص عمل تليق بخريجيه. وإذا توهمنا أننا قادرون على منافسة الغرب فى مجالات الذكاء الاصطناعى الصلبة والتكنولوجيا نكون قد ضللنا الطريق. فمجال تفوقنا الطبيعى هو فى بناء الشخصية العربية المستنيرة القائمة على العلم والإبداع الأدبى واللغوى والفنى والإعلامى والتراثى - وهى المجالات التى تشكل هويتنا الحضارية وتمنحنا تميزنا الإنسانى. وليس المقصود بالاهتمام بالعلوم الإنسانية الانغلاق على العصر، بل إدخال العصر الرقمى إلى صلبها نفسها؛ إذ يمكن أن تتحول الفلسفة النظرية إلى فلسفة تطبيقية تعالج قضايا الأخلاق والسياسات العامة، تماما كما انتقلت الرياضيات والفيزياء من النظرية إلى التطبيق فانطلقت الثورة الخوارزمية والابتكارات الكبرى.
التكامل بين العلوم الإنسانية والعلوم البحتة ليس ترفا فكريا، بل هو شرط أساسى لحماية المجتمعات من التفكك وضمان مستقبل متوازن ومستقر. فالمسار العلمى وحده، مهما بلغ من تطور، لن يحقق للبشرية رفاهها واستقرارها ما لم يرافقه مسار إنسانى يهذب منجزات العلم ويعيدها إلى حضن الإنسان. بذلك فقط نحيا فى عالم يطوع الطبيعة لا بدافع الجشع المادى والأنانية، بل انطلاقًا من قيم الأخوة والتكامل بين البشر. إن الذكاء الاصطناعى بقدراته الخارقة قد يغير وجه العالم، لكنه لن يستطيع أن يحل محل الفلسفة والفن والخيال والشعر والوجدان. فالمعادلة الحقيقية تقوم على بناء توازن خلاق بين العقل الخوارزمى والعاطفة الإنسانية. عندها فقط نحافظ على إنسانيتنا فى زمن تحكمه الآلات، ونبقى للعالم روحه التى تتغذى من الحوار والتنوع والاختلاف.

حسن زين الدين

مؤسسة الفكر العربى

النص الأصلى

التعليقات