أنوار المطعم التركي - داليا شمس - بوابة الشروق
الأحد 19 يناير 2020 5:01 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل ستحرص على زيارة معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام؟

أنوار المطعم التركي

نشر فى : السبت 30 نوفمبر 2019 - 10:50 م | آخر تحديث : السبت 30 نوفمبر 2019 - 10:50 م

صار المكان شبه أسطوري، إذ ازدادت رمزية بناية المطعم التركي بوسط بغداد منذ أكتوبر الماضي مع بداية الموجة الثالثة من الاحتجاجات العراقية، التي اتخذت هي الأخرى طابعا كرنفاليا على نمط حراك الشعوب المختلفة في الفترة الأخيرة. مشهد الأضواء المتقطعة التي يرسلها المعتصمون في المبنى فيرد عليهم المتظاهرون في ساحة التحرير ليلا نجح بالفعل في جذب وسائل الإعلام، المنشغلة بحراك ثوري "احتفالي" أحدث في لبنان. وتبقى تلك مشكلة العراقيين الأزلية، وهم يعانون ما يعانون من سنوات، ألا وهي تذكير المجتمع الدولي بمأساتهم التي تسبب فيها وترك البلد ضحية للنهب والصراع والفساد والإرهاب.
تارة يسجل النشطاء فيديو وهم يؤدون أغنية فيلم "البؤساء" بالإنجليزية، وتارة يظهر أعضاء فرقة موسيقية محلية في مدينة الموصل، شمال العراق، وهم يؤدون نشيد المقاومة الإيطالية ضد الفاشية "بيلا تشاو"، ويرتدون ملابس حمراء وأقنعة سلفادور دالي البيضاء، بعدما استبدلوا الكلمات بأخرى عراقية، تقول: "رزقي سلبوني، حقي باكوني (سرقوني)، متت صدقوني، مسؤولي ساكت والوضع خابط". لا يستطيع أهل الشمال التظاهر في مدنهم بسبب الدمار الذي حل بها، لكن ربما أيضا حتى لا تلتصق بهم اتهامات الانتماء للبعثيين أو الدواعش، إلا أنهم أرادوا تأييد مواطنيهم الذين يتظاهرون ضد الفساد والتدخل الخارجي، في بغداد ومدن الجنوب من خلال أغنية "بيلا تشاو" التي ارتبطت بالبسطاء منذ ثلاثينات القرن الماضي وبمقاومة الفاشية أثناء الحرب العالمية الثانية، وأعادها مجددا إلى الأضواء مسلسل إسباني عرضته قناة نتفليكس مؤخرا.
كما انتقلت عدوى "المطعم التركي" ببغداد لمحافظات أخرى مثل ميسان وذي القار، حيث اتخذ الناس من مبان قيد الإنشاء مقرا للتمركز وأطلقوا عليها أيضا تسمية "المطعم التركي"، كناية عن رمزية هذه البناية التي تقع في مكان استراتيجي وسط بغداد، إذ تطل على ساحة التحرير وتقع على بوابة المنطقة الخضراء (مقر الحكومة العراقية)، على جانبها الشرقي يوجد نصب تذكاري صممه الفنان جواد سليم، وعلى جانبها الغربي يقع جسر الجمهورية. وهذا الموقع المتميز، إضافة إلى أنها تتكون من أربعة عشر طابقا، جعلها تستخدم من قبل عناصر الأمن كبرج للمراقبة، خلال الموجة الأولى من التظاهر عام 2011 ضد رئيس الوزراء آنذاك نوري المالكي، بل تحول الطابق الثامن بها إلى مركز لقيادة العمليات ضد المتظاهرين ومحاولة قمعهم بكل الوسائل وقنص أرواحهم من أعلى. وهذا أيضا ما حدث في الأيام الأولى من التظاهرات الحالية التي اندلعت في أكتوبر، لذا استوعب المحتجون الدرس هذه المرة وقرروا الاستيلاء على المبنى المهجور منذ أن قصفته القوات الأمريكية عند غزو العراق عام 2003، أيضا لرمزيته.
***
بدأ تشييد هذا المبنى قبل نهاية الحرب الإيرانية العراقية، تعبيرا عن افتتان السلطة بنفسها، وهي تخرج من امتحان حرب استمرت ثماني سنوات. وتعود العراقيون وقتها على ارتياده و إحياء مناسباتهم في قاعاته الفخمة، فقد كان يحتوي على محلات تجارية ومطعم احتل الطابق الأخير يديره أتراك وتطل شرفاته على المدينة، ومن هنا جاءت التسمية الدراجة بين الناس. وبعد فترة الحصار وتدشين "الحملة الإيمانية"، باتخاذ النظام صبغة أكثر دينية، في أواسط التسعينات، تحولت طوابق مبنى المطعم التركي لمقر لرجال البعث ولهيئة الشباب والرياضة التي أعادها صدام حسين عام 2001، ولم يعد مفتوحا للجمهور كالسابق. أما في السنوات الأخيرة فقد صار رمزا لفساد المسؤولين وتبادل الاتهامات فيما يخص استثماره.
يستغل المتظاهرون البناية لتصوير لقطات حية للسيل البشري الذي يتوافد على ساحة التحرير حتى أثناء ساعات حظر التجول، وهنا تتجلى قدرة الناس على تحويل رمزية الأماكن، وخلق هوية جمعية تخصهم، فبدلا ما كانت واجهة المبنى تزينها الإعلانات التجارية في الثمانينات، انتشرت لافتات وشعارات الاحتجاج التي تضمنت: " دماؤنا في أعناق عادل عبد المهدي"، "اللعنة على إيران"، "ثورة العراق لا تقتلها الرصاصات"، إلى ما غير ذلك، وفقا لما أوردته وسائل الإعلام المختلفة. استخدم الشباب السقالات المتروكة ليصعدوا إلى طوابق المبنى العالية، هربا من السلالم الضيقة المكتظة. قسموا نفسهم إلى عدة مجموعات، البعض يقف أعلى البناية لمنع عناصر الأمن والقناصين من الوصول، حين يذهب آخرون للراحة، البعض ينام في المبنى ومنهم من أتى من خارج بغداد، وهناك أيضا من يتولى مهام الإعاشة والإمدادات وجلب المعونات الغذائية والطبية التي تصلهم من الأهالي بواسطة التوك توك.
***
حالة كاملة من الزخم الثوري يمثلها مبنى المطعم التركي الذي أطلقت عليه عدة تسميات مثل "جبل أحد"، "الجنائن المعلقة" نسبةً إلى إحدى عجائب بابل القديمة، "فندق أبناء ثنوة"، في إشارة إلى اسم والدة أحد النشطاء. نجح بعض المهندسين في إيصال الكهرباء للمبنى وتصليح المصعد. نظف متطوعون المكان وطلوا أعمدة موضع انتظار السيارات بألوان العلم العراقي. انتشرت الأجواء الاحتفالية التي تؤكد على رغبة الشعوب في الحياة، فأقيمت الحفلات الموسيقية وسهرات إلقاء الشعر ومكتبة مجانية.
يحرص المعتصمون، خلال الأمسيات، على إنارة المكان بإشعال الشموع أو المصابيح اليدوية أو شاشات الهواتف النقالة. يصبح المنظر أكثر جذبا للمصورين والتليفزيونات، فيدخل المبنى التاريخ من أوسع أبوابه، وسيظل محفورا في ذاكرة من عاش هذه الأجواء ومن عاصرها، حتى يأتي قطعا من يحاول محوه تماما أو تحويله لشيء أصم، كي لا يتذكر الشعب كيف بحث يوما عن بدائل وكيف لم يوفر جهدا ليقاوم تدمير بلاده، فقد صار هو وأنواره المتقطعة رمزا للكثير من المعاني.

التعليقات