محنة المنافسة فى عصر الاحتكارات! - محمد يوسف - بوابة الشروق
الخميس 9 يوليه 2020 1:06 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

محنة المنافسة فى عصر الاحتكارات!

نشر فى : الأحد 30 ديسمبر 2018 - 11:50 م | آخر تحديث : الأحد 30 ديسمبر 2018 - 11:50 م

لم يكن يُعتقد فى الماضى القريب أن مشكلة الاحتكارات فى أسواق الدول النامية مشكلة ذات بال، أو أنها من المشكلات التى تحتاج للعلاج العاجل. فنمو الاحتكارات فى تلك الأسواق كان يُنظر إليه على أنه المقدمة الضرورية للانطلاق فى معارج التنمية، وأن وجود كيانات استثمارية كبيرة فى هذه الدول هو ضمانة مهمة لضبط العلاقات الاقتصادية بينها وبين بلدان العالم المتقدم. إلا أن هذه النظرة قد تغيرت كثيرا هذه الأيام؛ إذ أصبح الدفاع عن المنافسة، والوقوف فى وجه التغوّل الاحتكارى، هو أحد الأدوار المهمة التى تحاول أن تضطلع بها حكومات الدول النامية. وقد عبر هذا التحول عن نفسه فى تدشين معظم هذه الدول لهيئات وأجهزة تسعى لحماية عملية المنافسة فى الأسواق، وتتصدى لجميع الممارسات الاحتكارية التى تعيقها. فماذا يا ترى قد حدث فى أسواق هذه الدول، حتى أصبحت المنافسة لا الاحتكار هى قوام عملية التنمية الاقتصادية؟!
***
من منظور شركة ما، كلما زادت حدة المنافسة فى السوق التى تعمل فيه، كلما ضعفت قدرة هذه الشركة على تعظيم أرباحها، وكلما احتاجت لجهد متزايد لتطوير إنتاجيتها، كى تحافظ بالكاد على نصيبها من هذه السوق. وفى المقابل، ومن منظور الاقتصاد الكلى، فإن المُناخ الصحى للاستقرار والنمو الاقتصادى، هو المناخ الذى تتطور فيه المنافسة بين الوحدات الاقتصادية، وتقل فيه قدرة أى وحدة منها منفردة على السيطرة على الأسواق. على أن هذا الخلاف المتجذر بين المنظورين الجزئى والكلى، قد أفضى لصراع محتدم بين قوتين رئيسيتين فى الأسواق المختلفة: الأولى هى قوة الشركات القائمة، والتى تكتسبها من التنسيق والاندماج فيما بينها بهدف السيطرة على أنشطة الاستثمار والإنتاج والتوزيع فى السوق. والثانية هى قوة الأجهزة الحكومية التى تخطط وتنظم وتراقب الأسواق، والتى تستخدم سيادة القانون فى تعزيز تلك القوة. وبسبب تفوق قوى الشركات على قوة التشريعات والتنظيمات الحكومية، نمت وترعرعت الاحتكارات فى الدول المتقدمة، ثم انتقلت عدواها سريعا إلى أسواق الدول النامية، من خلال قنوات الشركات متعددة الجنسيات ووكالاتها المحلية. بيد أن اختلاف السياق التنموى الذى نشأت فيها الاحتكارات فى الدول المتقدمة والنامية، وطبيعة الأنشطة التى تركزت فيها تلك الاحتكارات، قد فرّق بين الآثار المترتبة عليها فى هاتين المجموعتين من الدول. فالاحتكارات الصناعية التى ساهمت فى تطوير الصناعات عالية التكنولوجيا فى الدول المتقدمة، قابلها احتكارات فى قطاعات خدمية وهامشية فى دورها التنموى الذى قامت ــ ومازالت تقوم ــ به فى الدول النامية. ومع ذلك، تظل للاحتكارات آثارها السلبية التى تعانى منها الأسواق بغض النظر عن مستوى التقدم الاقتصادى، وبغض النظر عن السياق التنموى الذى تعمل فيه.
وأيا كان الأمر، ورغم أن الاحتكار أضحى سمة مشتركة بين أسواق الدول المتقدمة والنامية، فإن الآثار السلبية الناشئة عن غياب المنافسة، والنتائج المترتبة على تفشى هذا الاحتكار، تعانى منها الدول النامية أكثر من الدول المتقدمة. ولدينا فى التجربة المصرية دليل واضح على ذلك. فبعدما عاد للقطاع الخاص المصرى زمام المبادرة مع بداية عصر الانفتاح الاقتصادى فى سبعينيات القرن الماضى، وبسبب تفاعل عدد من العوامل الداخلية والخارجية، اشتد عود الاحتكارات الخاصة فى السوق المصرية، وظهرت الكيانات الضخمة المسيطرة على الأنشطة الاقتصادية فيه، وبدأنا نسمع عن إمبراطوريات تجارية تسيطر على الأسواق. ويكفى فى ذلك الصدد أن نُذكّر القارئ بأن كبريات الشركات الخاصة المصرية العاملة فى قطاعات التشييد والبناء والاتصالات والخدمات المالية، والشركات والتوكيلات المسيطرة على أنشطة التصدير والاستيراد المختلفة، قد أخذت فى الظهور فى تلك الحقبة، وللدرجة التى بدأت هذه الكيانات تُزاحم، تدريجيا، الاحتكارات الحكومية فى ذات القطاعات. وبانقضاء القرن العشرين، وبعدما أفرطت الحكومة فى بيع الشركات العامة خلال عقد التسعينيات، أصبحت الاحتكارات الخاصة صاحبة اليد الطولى فى السوق المصرية، وتراجعت المنافسة فى هذه السوق لأدنى مستوياتها.
وبنمو الاحتكارات، وبتراجع المنافسة فى السوق المصرية، تكرست العديد من الآثار الاقتصادية السلبية، والتى خصمت ــ ومازالت تخصم ــ من القدرات التنموية للاقتصاد المصرى. والنقاط التالية تحاول تسليط الضوء على جانب مهم من هذه الآثار السلبية:
• نتيجة لمعاناة الأسواق المصرية من ويلات الغلاء، فدائما ما تُحمّل الاحتكارات بجزء مهم من المسئولية عن هذا الغلاء. وليس فى ذلك مغالطة اقتصادية؛ فحتى لو كان للغلاء أسبابه الموضوعية (كارتفاع تكاليف الإنتاج و/أو نمو الطلب فى السوق)، فإن وجود احتكارات فى السوق تزيد من حدة وعمق الغلاء الحاصل فيه، وتقلل من فرص السيطرة الحكومية عليه. هب مثلا أن الطلب على سلعة ما قد أخذ فى الزيادة المضطردة، أو أن تكلفة إنتاجها أو استيرادها قد زادت، وفى حالة ضعف أنظمة التسعير وأنظمة حماية المنافسة، فإن محتكرى هذه السلعة سيذهبون بالأسعار لمستويات تفوق المستويات المنطقية للزيادة، وسيتلاعبون بمستويات المعروض منها، محققين بذلك أرباحا احتكارية طائلة، على حساب المستهلكين فى السوق.
• توجد علاقة وطيدة بين شيوع الاحتكارات فى الاقتصاد المصرى وانتشار البطالة بين صفوف الشباب. فمن المنطقى أن احتكارا فى سوق استيراد قطع غيار السيارات مثلا، سيكون قادرا على إضعاف فرص الشركات الصغيرة والمتوسطة الطامحة لإنتاج البدائل المحلية لها. وعندما تختفى فرص الاستثمار المجدية لهذه الشركات، يقل طلبها على العمالة الفنية، دون أن يقابله بالضرورة زيادة طلب الشركات الاحتكارية على نفس العمالة؛ إما لأنها تحمل عمالتها فوق طاقتها الإنتاجية، أو لأنها تعتمد على تكنولوجيا تقلل الاعتماد على العنصر البشرى. ومن هنا، يمكن أن نرى كيف تساهم الاحتكارات فى انتشار البطالة.

• بشيوع الاحتكارات فى أسواق السلع والخدمات، تأثرت الجودة والإنتاجية فى الأنشطة الاقتصادية المختلفة فى السوق المصرية؛ ذلك لأن المحتكر لا يعانى كثيرا من مخاطر تصريف إنتاجه الرديء، ولا يأبه كثيرا بمستويات إنتاجية عمّاله، ولن يكترث بوجود أنظمة ضعيفة للرقابة على الجودة. فسيطرته الكلية أو الجزئية على سوقه، ستتكفل بهذه الأمور دون عناء يذكر.
• الشركات الكبيرة والاحتكارية تتمكن أكثر من غيرها من التهرب (وأحيانا التأخر) الضريبى. فبالاعتماد على قدراتها الاحتكارية، تحاول الشركات المحتكرة التلاعب فى قوائمها المالية السنوية، لتُظهر مراكزها المالية على غير حقيقتها، بهدف تقليل المستحقات الضريبية التى تستأديها الدولة. كما أن قدرات المناورة التى تمتلكها هذه الشركات فى السوق، تمكنها من النفاذ من الثغرات القانونية، أو تساعدها على إحداث ثغرات قانونية وتنظيمية لتهرب عبرها من عبء الضريبة. ولذلك، فالاحتكار يفسر جانبا مهما من ظاهرة تراجع الجهد الضريبى فى الاقتصاد المصرى.

وليس هناك من شك أن تنامى ظاهرة الاحتكارات فى السوق المصرية، شأنها شأن معظم الأسواق النامية، لا يكرّس من الآثار السلبية التى ذكرناها آنفا فحسب، بل إن أهم مشكلة تنتج عن ذلك التراكم هى السقوط فى هوة سحيقة من الاحتكارات؛ ومن ثم، تزايد الصعوبات التى ستواجه القائمين على حماية المنافسة فى مقاومة وتكسير هذه الاحتكارات، كى تستطيع الخروج من هذه الهوة. أفلا يكفى كل ذلك ليجعلنا نقر بأن التصدى لزحف الاحتكارات على الأسواق المصرية، والاجتهاد فى حماية قواعد المنافسة العادلة، هى ضرورة تمليها علينا اعتبارات الرشد الاقتصادي؟!
إن أمام الاقتصاد المصرى طريقا طويلة وشاقة يجب عليه أن يقطعها حتى يقضى تدريجيا على ظاهرة الاحتكارات المزمنة، وحتى يعود أدراجه للمنافسة الرشيدة. فالدعوات التى يطلقها البعض لتعديل القانون المنظم للمنافسة غير كافية لقطع هذه الطريق. صحيح أن القانون الذى يحدد عقوبة جريمة الاحتكار بمبلغ مقطوع (ينخفض ردع هذا المبلغ فى غمار موجات الغلاء)، أو الذى يقيد عمل الجهاز الحامى للمنافسة بقيود غير مبررة، هو فى حاجة ملحة للتعديل. لكن ما يحتاج للتعديل أكثر من مجرد بعض مواد القانون، هو أن يصبح القانون سيدا ونافذا على جميع وحدات القطاع الخاص العاملة فى السوق المصرية؛ كى تعلو قوته على قوة الاحتكارات القائمة فى هذه السوق. كما أن مفهوم الاحتكار نفسه فى حاجة لإعادة صياغة من منظور تنموى. فلا الاحتكار، ولا الجرائم الاحتكارية، يمكن القضاء عليهما ونحن لا نفرق بين الاحتكارات حسب قدرتها على تعزيز «التنمية المستقلة»، أو حسب الجهة المالكة لهذه الاحتكارات. فعقوبة الجريمة الاحتكارية يجب أن تراعى طبيعة النشاط الاقتصادى الذى حدثت فيه. فالاحتكار فى قطاع الاتصالات ضعيف القيمة المضافة يجب أن تغلظ له العقوبة، حتى تصل لمداها الممكن. أما الاحتكار فى نشاط تصنيع سيارة مصرية «خالصة» مثلا، لا يجوز اعتباره احتكارا من الأساس. كما أنه، وفى ذات الوقت، لا يجوز اعتبار بعض الأنشطة الاستراتيجية للحكومة من قبيل الاحتكار المعادى للمنافسة العادلة، والذى يستدعى المواجهة.
وإذا طُلب إلينا الرأى فى التحديد الدقيق لظاهرة الاحتكار التى تستوجب المواجهة والعقاب، فهى تمثل فى رأينا «أى تعاون بين المنتجين أو المستوردين ينتج عنه ضررا بمنتجين آخرين أو بالمستهلكين فى السوق، و/أو يترتب عليه تقييدا لهدف زيادة القيمة المضافة الوطنية فى الأنشطة الاقتصادية، أو يضعف من نسبة المكون المحلى فى تلك الأنشطة».
***
لقد فتحت ظاهرة الاحتكارات فى الأسواق المصرية الباب على مصراعيه أمام نمو الأنشطة غير المفيدة للتنمية الاقتصادية، وتشوه، بسبب ذلك، البنيان القطاعى للاقتصاد المصرى، وتركز فى القطاعات سريعة دوران رأس المال. أى أن هذه الاحتكارات قد لعبت دورا فى تعثر خطوات الاقتصاد المصرى فى طريق التنمية. ولما كانت المنافسة هى نقيض الاحتكار، فإن محنة المنافسة تزاد كلما تركنا الحبل على الغارب لغول الاحتكار، وكلما أهملنا علاج هذه الظاهرة المرضية. وفى حالة ظل الوضع على ما هو عليه فى الأسواق المصرية، فإن الوصول للمنافسة العادلة سيظل هدفا عزيزا يبعد عنا ونبعد عنه باستمرار!

محمد يوسف أستاذ الاقتصاد المساعد
التعليقات