ارتفع الإنفاق الاجتماعي فارتفع الفقر.. أين الخطأ الثاني؟ - سلمى حسين - بوابة الشروق
الجمعة 10 أبريل 2020 4:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

ارتفع الإنفاق الاجتماعي فارتفع الفقر.. أين الخطأ الثاني؟

نشر فى : الجمعة 31 يناير 2020 - 9:30 م | آخر تحديث : الجمعة 31 يناير 2020 - 9:30 م

"لا يمكن ﻷي مجتمع أن يزدهر أو يسعد إذا ما كانت اﻷغلبية العظمى من أعضائه فقراء وتعساء. إنما يتعلق اﻷمر باﻹنصاف. كما أن أولئك الذين يوفرون الغذاء والكساء والسكن لكل الناس، يجب أن يحظوا بنصيب مما ينتجون بأيديهم، بحيث يصبحون هم أنفسهم حسني المأكل والملبس والمسكن بشكل مقبول". قائل هذه العبارة هو أبو الاقتصاد الرأسمالي، آدم سميث، في كتابه العمدة، ثروة الأمم. تكلم سميث عن الإنصاف، وعكس الإنصاف هو الاستغلال. أي أننا لو وجدنا أغلبية العاملين في أي مجتمع فقراء تعساء سيئي الملبس، نعرف أنهم يتعرضون للاستغلال..

هناك عدد عن ماكينات صناعة الفقر في مصر. إذا أرادت مصر أن تقلص عدد الفقراء، عليها وقف عمل تلك الماكينات التي توقع ملايين جدد كل عام بين براثن العوز والجوع. فهي لن تستطيع ذلك بالاعتماد على زيادة المساعدات النقدية أو العينية التي تقدمها الحكومة، على أهمية الاثنين.

ويمكن اعتبار تدني الأجور هو أهم ماكينة تنتج ملايين الفقراء كل عام، (إلى جانب غياب سياسات زراعية تحابي صغار الفلاحين وخاصة في الصعيد- لا كبار المنتجين الزراعيين وحدهم، راجع المقال السابق).

تدني الأجور هو الوجه الآخر لتزايد الأرباح، وتسمى الظاهرة "عبودية القرن الواحد والعشرين".. هو استغلال شبيه بالذي عرفته الدول التي شهدت الثورة الصناعية في القرنين الـ18 والـ19، أي استغلال الأيدي العاملة. والذي كان أهم أسباب الثورات الكبرى في إنجلترا وفرنسا، ثم روسيا (وألمانيا). واليوم، يعاني العالم من هذه الظاهرة، معيدا إلى النقاش العالمي الحديث عن اللامساواة وتركز الثروة وعلاجاتها الممكنة. ومصر ليست استثناء. وإن كان النقاش حولها ما زال خافتا.

أولئك القابعون أسفل السلم

حين تُترَك آلية تحديد الأجور في أيدي صاحب العمل وحده، يصبح الأمر بمثابة سوق يتحكم فيه مشترٍ وحيد.. أمام جيوش من ملايين الباحثين عن عمل. وهكذا تتولد لديه قدرة غير عادية على بخس الأجور التي يدفعها للعاملين (إذا تركنا صاحب العمل وحده لقانون العرض والطلب). وهكذا، وُلد الحد الأدنى للأجر، وانتشر في معظم دول العالم (الشرق الأوسط استثناء)، كي يحد من نفوذ صاحب العمل.

تُعرّف منظمة العمل الدولية ILO الحد اﻷدنى للأجر على أنه المرتب الذي يقع عند قاع هيكل اﻷجور. والهدف منه هو حماية العاملين الذين يشغلون أدنى المراكز في سلم توزيع الأجور. لذا استقر الأمر في الغالبية العظمى من الدول، بعد دراسات وتجارب، على أهمية دوره الأساسي في محاربة الفقر.

وتتسع أهميته في كثير من دول العالم حاليا بسبب توسع ظاهرة العاملين الفقراء-الموضوع مثلا مثار بقوة حاليا في الجولة التمهيدية للانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة، حيث يتقدم مؤخرا المرشح اليساري بيرني ساندرز على من عداه بسبب وعده بزيادة في الأجر الأدنى (ضمن إجراءات أخرى من أجل توزيع عادل للدخل).

القطاع الخاص الجميل والوظائف القبيحة

في مصر، يعمل في القطاع الخاص (الرسمي وغير الرسمي) حوالي ثلاثة أرباع القوة العاملة. ويحظى القطاع الخاص بعدد من الامتيازات مثل الإعفاءات الضريبية والجمركية، ودعم للطاقة، وتطوير سريع للبنية التحتية التي تخدمه. وهو ما ساعده على تحقيق معدل ربحية مرتفع. إلا أن تلك المزايا لم تقترن بتحسين نوعية الوظائف التي يخلقها القطاع الخاص.

ويلاحظ البنك الدولي في تقرير الحالة التشخيصية لمصر (2015) أن معدل الربحية وصل إلى 40٪. وفي المقابل يشير نفس التقرير إلى تناقص نصيب الأجور من الناتج المحلي، على مدى العقود الثلاثة الماضية، أي أن ثمار نمو الناتج تعود إلى رأس المال، على حساب العمل المأجور.   

ولا يوفر سوى عدد محدود من منشآت القطاع الخاص وظائف "لائقة"، أي تتمتع بالتأمينات للتقاعد، والعطلات القانونية، وساعات عمل قصوى، وحد أدنى للأجر. وكانت تلك النوعية الرديئة من الوظائف في القطاع الخاص هي صاحبة أكبر زيادة في الوظائف المتاحة. لذا نجد واحدا من كل اثنين عاملين بأجر في المنشآت الخاصة لا يتمتع بوظيفة رسمية (عقد و/أو تأمين تقاعد). وهناك واحد من كل ثلاثة عاملين لا يحظى بعمل مستقر أو منتظم. ويقترن العمل غير المستقر في مصر بالفقر، بحسب بيانات بحث الدخل والإنفاق.

وإجمالا، خلال دورة النمو الأخيرة، 2013-2018، لم نر سوى زيادة محدودة جدا في الوظائف الرسمية في القطاع الخاص، بينما كانت الوظائف غير الرسمية في القطاع غير الرسمي (مثل العاملين بقطاع البناء والتخزين والنقل) هي صاحبة الزيادة الأكبر. وذلك بحسب مسح العمالة الذي ينتجه الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، مع منتدى البحوث الاقتصادية.

العاملون الفقراء

زادت نسبة العاملين الفقراء من 51٪ من إجمالي العاملين إلى 57٪ خلال الفترة 2012-2018. جاءت الزيادة الأكبر بين النساء (68٪ من النساء من العاملين الفقراء)، وأيضا تنتشر الظاهرة بين كبار السن (50-64 عاما). تنتشر الظاهرة أيضا بين الشباب، حيث نجد سبعة من كل عشرة شباب عامل يتقاضون أجرا أقل من أن يقيهم من الفقر. (وتنتشر الظاهرة أيضا بنفس النسبة تقريبا في القطاع الزراعي وفي ريف الصعيد).

وهكذا، انخفض الدخل الوسيط لمعظم العاملين بأجر في مصر بين الفترة 2012 و2018، ووفقا لأحدث الإحصاءات الحكومية. ويعني ذلك أن نصف العاملين في القطاع الخاص يحصلون على أجور شهرية تبلغ 1800 جنيه أو أقل (تحت خط فقر الأسر المكونة من فردين). وكان الانخفاض الأكبر من نصيب الأفضل تعليما وأولئك الذين يعملون في القطاع الخاص الرسمي، حيث عرف هؤلاء انخفاضا بلغ في المتوسط بين 6.3 و6.5٪ سنويا خلال تلك الفترة.

الحد الأدنى للأجر قادر على أن يرفع تلك الملايين من الفقر بين عشية وضحاها. ولكن، حين نتكلم عن برنامج ضخم يمس الملايين.. كم ستتكلف الدولة جراء هذا الإجراء؟

لا شيء تقريبا. هذا الإجراء لن يكلف الدولة مليما.

لماذا؟ لأن الحكومة قامت بالفعل برفع الحد الأدنى للأجر للعاملين لديها، حين وجدت بعد التعويم في 2016، زيادة معدل الفقر بين هؤلاء إلى 20٪. فقد قرر رئيس الجمهورية رفع الحد الأدنى للأجر إلى 2000 جنيه، وهو مبلغ محسوب جيدا، لأنه يشتري تقريبا ما كان يشتريه الحد الأدنى الحكومي السابق (1200 جنيه) بأسعار 2013. أي أن الأجر الأدنى في الحكومة اليوم يحافظ بالكاد على نفس مستوى معيشة صغار موظفي الحكومة الذي ساد في عام 2013.

ولكن على عكس الرئيس الفرنسي ماكرون، الذي يكفل له القانون زيادة الحد الأدنى للأجر لجميع العاملين بأجر في فرنسا، وعلى عكس القانون الذي أصدره حسني مبارك عام 1981، والمشابه للقانون الفرنسي، لم يتطرق الرئيس السيسي إلى الحد الأدنى في القطاع الخاص. القضية هي إذن ليست فرض حد أدنى للأجر، وإنما بأن يمتد التطبيق إلى العاملين بالقطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي.

آلية عاطلة؟

هذا الوضع الحالي الذي يكفل تعظيم الأرباح لأصحاب المنشآت على حساب استقرار المجتمع وتقدمه، هو وضع في حاجة للمراجعة. فهل هناك آلية تسمح لمصر بتغيير الوضع؟ هناك المجلس القومي للأجور، وهي الجهة المخولة قانونا بوضع الحد الأدنى للأجور على المستوى القومي بمراعاة نفقات المعيشة والوسائل والتدابير التي تكفل تحقيق التوازن بين الأجور والأسعار، ووضع السياسات الخاصة بالإنفاق وأنماط الاستهلاك والحدود الدنيا والقصوى للأجور للاستدلال على مستويات وطرق الإنفاق المعيشي للأسر المصرية وتقديم المقترحات في هذا الشأن، ورسم السياسات القومية للأجور.

اجتمع التشكيل الجديد للمجلس لأول مرة منذ ست سنوات في نوفمبر الماضي، ثم ثانية منذ أسبوعين لمناقشة البطالة والحد الأدنى للأجر، وهناك اجتماع ثالث أُعلن عنه في فبراير 2020. نشاط محمود بعد توقف طويل. ولكن تاريخ المجلس المتعثر يلاحق سمعته.

فعلى الرغم نشأة المجلس في عام 2003، إلا أنه لم يفلح في إقناع القطاع الخاص بتبني أي مبلغ (ولو أقل من خط الفقر) كحد أدنى للأجر. تكررت محاولات تنشيطه في لحظات الفورات الاجتماعية، كان آخرها في عام 2013، وانتهت بالإطاحة بوزير التخطيط وبأعضاء المجلس من الخبراء وبوأد الاقتراحات، والنقاش برمته.

إذا أرادت مصر أن تمد مظلة الحد الأدنى للأجر ليشمل القطاع الخاص وكل أنواع الوظائف، الرسمية وغير الرسمية، المؤقتة والدائمة، فهناك العديد من التجارب في الدول النامية، التي تقينا الوقوع في تجارب خاطئة من شأنها زيادة البطالة في المنشآت الصغيرة (مثل الصين)، أو بقاء الفقر (مثل الهند)، وتجارب أخرى ملهمة وناجحة (أهمها وأحدثها هو جنوب أفريقيا).

وتفيد التجارب الدولية وخاصة في الدول النامية بأن العبرة ليست بقيمة الحد الأدنى للأجر، بقدر ما هي بكيفية أو آلية تحديد قيمته. كلما كانت آلية تحديده أشمل وأبسط، كلما كان أداة فعالة في انتشال الملايين من الفقر، بأقل قدر من الآثار السلبية على الاقتصاد (التضخم والبطالة). والتفاوض الثلاثي هو طريق وعر وصعب، ولكنه أفضل وسيلة للتوصل إلى قيمة يرضى عنها الجميع، وأكثر توافقا مع الإنتاجية والظروف الاقتصادية. حيث يجتمع ممثلو النقابات المنتخبين عن كافة القطاعات، مع ممثلي القطاع الخاص، برعاية الحكومة. والمجلس القومي للأجور- مع بعض التعديلات في الهيكل والمزيد من الاستقلالية- قد يوفر ذلك على وجه جيد.

الأجور هي أهم مصدر لتوليد الدخل، يعتمد عليها 60٪ من المصريين. ويقول المنطق بأنه كلما زادت الأجور، كلما ارتفع مستوى معيشة الأسر. أعط نقودا قليلة للعاملين في أسفل سلم الأجر، سيصرفون كل تلك الأموال على شراء سلع ومنتجات- محلية، وكلما زاد عدد المستفيدين، نشط الاقتصاد.

ولكن، يعاني الاقتصاد المصري مؤخرا من تباطؤ في الطلب الناتج عن انخفاض الاستهلاك المحلي. أي أن المواطنين لم يعودوا قادرين على زيادة مشترياتهم المحلية ومن ثم تنشيط الاقتصاد. وهنا يعتبر مد مظلة الحد الأدنى للأجر إلى القطاع الخاص الرسمي وغير الرسمي وسيلة فعالة وسريعة لتنشيط الطلب المحلي. ولن تكلف الدولة مليما (حيث أن الحكومة قد قامت بالفعل برفع الأجر الأدنى). كما أنها فرصة ذهبية لاستغلال انخفاض معدل التضخم الحالي، وهو الأقل منذ أن وعيت على الدنيا. لذا فالأثر التضخمي لزيادة الحد الأدنى للأجر سيكون محدودا.

الأمر هام وعاجل، كما قال آدم سميث، من أجل الإنصاف والعدالة، ومن أجل الاستقرار الاجتماعي ونشر الرضا الشعبي، والأهم من أجل نمو مرتفع وتنمية عادلة مستدامة. الأجر الأدنى هو مجرد خطوة في الاتجاه المعاكس، الاتجاه الأسلم. ولكن التخوف الرئيسي هو في نفوذ القطاع الخاص. حيث نجح كبار المستثمرين في شل أي تحرك حكومي أو اجتماعي كان من شأنه فرض أجر أدنى على المستوى القومي خلال العقدين الماضيين. فهل تدفع سوء المؤشرات الرسمية الحديثة الخاصة بالفقر والتشغيل إلى أن يختلف الأمر هذه المرة؟

سلمى حسين صحفية وباحثة متخصصة في الاقتصاد والسياسات العامة. قامت بالمشاركة في ترجمة كتاب رأس المال في القرن الواحد والعشرين، لتوماس بيكيتي. صدر لها في ٢٠١٤ كتاب «دليل كل صحفي: كيف تجد ما يهمك في الموازنة العامة؟».
التعليقات