المرونة الرقمية.. واختبار الأزمات - صحافة عربية - بوابة الشروق
الثلاثاء 31 مارس 2026 9:33 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

المرونة الرقمية.. واختبار الأزمات

نشر فى : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:55 م | آخر تحديث : الثلاثاء 31 مارس 2026 - 7:55 م

فى أوقات الأزمات، لا تُقاس جاهزية الدول فقط بما تملكه من إمكانات مادية أو خطط ميدانية، بل كذلك بقدرتها على الحفاظ على استمرارية الحياة العامة بأقل قدر ممكن من التعطّل. ومن هنا تبرز أهمية المرونة الرقمية باعتبارها أحد أعمدة الجاهزية الحديثة، لا بوصفها خيارًا تقنيًا كماليًا، بل كجزء من بنية الصمود الوطنى والمؤسسى. المرونة الرقمية تعنى أن تكون مؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمرافق الحيوية قادرة على مواصلة أعمالها الأساسية، حتى فى الظروف الاستثنائية، ففى اللحظات، التى قد تتعذر فيها الحركة الطبيعية أو تتأثر الخدمات التقليدية، يصبح من الضرورى أن تكون هناك بدائل عملية وآمنة، تضمن استمرار العمل، والتعليم، والرعاية الصحية، والاتصال المؤسسى، دون ارتباك أو انقطاع واسع.


وفى هذا السياق، يبرز العمل عن بعد كأحد أهم تطبيقات المرونة الرقمية. لكنه لا ينبغى أن يُفهم على أنه مجرد نقل الموظف من المكتب إلى المنزل، بل هو منظومة متكاملة تتطلّب بنية تقنية مستقرة، وأنظمة آمنة، وصلاحيات واضحة، وقنوات اتصال معتمدة، وآليات متابعة وتقييم منضبطة. إن نجاح العمل عن بُعد فى الأزمات لا يقوم على الاجتهاد الفردى، وإنما على وجود خطة تشغيل بديلة تم اختبارها مسبقًا، وتدريب عملى يضمن معرفة الجميع بأدوارهم ومسئولياتهم عند الحاجة.


وكذلك التعليم عن بُعد، فهو ليس حلًا مثاليًا دائمًا، لكنه فى الظروف الاستثنائية يمثل ضرورة لضمان عدم انقطاع المسار التعليمى. النجاح هنا لا يتحقّق بكثرة المنصات أو كثافة الواجبات، بل بوضوح المحتوى، وسهولة الوصول إليه، ومراعاة الفروق بين الطلبة من حيث الإمكانات التقنيّة والظروف الأسرية، خصوصًا للطلاب الذين يحتاجون مساعدة ومتابعة الوالدين المستمرة. التعليم فى الأزمات يجب أن يكون واقعيًا ومرنًا، يركّز على استمرارية التعلّم وجودته الأساسية، لا على استنساخ اليوم الدراسى التقليدى بكل تفاصيله. كما يجب علينا أن ندرك أن عملية التقييم ستختلف تمامًا، كما الدروس ذاتها.


وينطبق الأمر كذلك على التطبيب عن بُعد، الذى أثبت أهميته فى الأزمات من خلال تخفيف الضغط على المرافق الصحية، وتسهيل الوصول إلى الاستشارات الطبية، ومتابعة الحالات المزمنة، وتجديد الوصفات، وتقديم الإرشاد الأولى. بيد أن نجاح هذا المسار يتطلّب ضوابط دقيقة، من أهمها حماية خصوصية المرضى، وتوثيق ما قُدّم من خدمات طبية، وتحديد الحالات، التى يمكن التعامل معها عن بعد، وتلك التى تستوجب مراجعة مباشرة وفورية.


ما نحتاجه اليوم ليس خطابًا عن التحوّل الرقمى، أو مجرّد التوسّع فى استخدام الأدوات الرقمية، بل بناء ثقافة جاهزية رقمية شاملة، تقوم على التخطيط المسبق، والتحديث المستمر، والتدريب الدورى، والتكامل بين الجهات، كل حسب دوره واختصاصه. فالأزمات لا تمنح وقتًا كافيًا للارتجال، بل تكشف سريعًا مدى استعداد المؤسسات والمجتمعات وقدرتها على التكيّف.


المرونة الرقمية لم تعد شأنًا تقنيًا محصورًا بالمتخصصين، بل أصبحت ضرورة وطنية تمس الأمن والاستقرار واستمرارية الخدمات. وحين يُحسن المجتمع ومؤسساته الاستثمار فيها، فإنهم لا يواكبون المستقبل فحسب، بل يملكون وسيلة عملية لحماية الحاضر أيضًا.


ضارى عادل الحويل
جريدة القبس الكويتية

التعليقات