النوع - بسمة عبد العزيز - بوابة الشروق
الجمعة 3 ديسمبر 2021 9:24 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد قرار الفنان هاني شاكر نقيب المهن الموسيقية بمنع 19 من مطربي المهرجانات من الغناء؟

النوع

نشر فى : السبت 31 يوليه 2010 - 10:23 ص | آخر تحديث : السبت 31 يوليه 2010 - 10:23 ص

 حين تقابلنا منذ سنوات كانت تلك هى المرة الأولى التى التقى فيها أحد مرضى اضطراب الهوية الجنسية. شاب فى أوائل الثلاثينيات، حليق، يرتدى قميصا وبنطلونا، له مظهر عادى لا يمكن أن يستشف منه أحد قدر المعاناة التى يحملها، ولا يبدو فى ملامحه ما يثير التساؤل أو الارتياب.

بعد أن قضيت ما يزيد على الساعة أتحاور معه شعرت بألم وضيق شديدين كأنما انتقلت لى معاناته. لم يكن الشاب قادرا على التواصل باستخدام ضمير المذكر، يتكلم على أنه امرأة ويفكر كامرأة، لمحاته وإيماءاته وروحه لشابة وليست لشاب برغم المظهر العام والملبس.

تذكرته حين بدأت الصحف منذ أيام فى الكتابة عن إسلام الذى أجرى عمليتين جراحيتين كى يغير جنسه. قارنت بين وضعى الشابين فلم أجد شيئا قد تغير خلال السنوات التى مضت. المعاناة واحدة ورد فعل المجتمع واحد: قليل من التفهم، كثير من الاستهزاء والنفور.

الشاب الذى التقيته كان تماما كإسلام يدرك التوصيف العلمى لمشكلته، خاب العلاج النفسى فى مساعدته، وصار يعرف أنه لا مفر من الخضوع لعدة عمليات جراحية تصحح وضعه وتجعله منتميا للجنس الذى هو على يقين من الانتماء إليه.

كل من الشابين سار فى نفس الطريق الوعر، تحمل الكثير وتألم من الكثير وعاش الحيرة والخوف من الآخرين وعذاب الفشل فى تحديد الهوية. كلاهما تعرض إلى سخرية الأقران والزملاء وإلى النبذ من المجتمع وإلى التحقير والإهانات المتواصلة. كلا الشابين سعى لإنهاء معاناته العميقة وبحث عن العلاج المتاح.

لدى كل منا هويتان: الأولى هوية جنسية تدل عليها هرموناتنا وأعضاؤنا سواء كانت ذكرية أو أنثوية، والثانية يمكن أن نطلق عليها الهوية الاجتماعية ويدل عليها سلوكنا وتصرفنا إما كرجال أو كنساء.تتكون الهوية الاجتماعية فى مرحلة مبكرة ربما فى الثالثة من العمر، حين يدرك الأطفال أن هناك «أولادا وبناتا» ويحددون داخليا انتماءهم لإحدى المجموعتين ويترسخ هذا الانتماء فيهم من خلال التعامل مع المحيطين كالوالدين والأقارب والأصدقاء، حتى قبل أن يتعلموا النطق السليم والعبارات الكاملة.

فى الأحوال الطبيعية تتطابق الهويتان الجنسية والاجتماعية فيملك الشخص أعضاء الذكورة وهرموناتها وكذلك يملك الإحساس الداخلى بأنه رجل، والمثل بالنسبة إلى المرأة.فى بعض الأحيان لا تتطابق الهويتان وتسير كل منهما فى اتجاه يختلف عن الأخرى فيصبح للشخص هرمونات وأعضاء الذكر وإحساس وانتماء الأنثى، تصبح لديه قناعة ثابتة بأنه امرأة والعكس يحدث أيضا.

يكابد هذا الشخص ما يعرف باسم اضطراب الهوية الجنسية، تؤكد الفحوص أنه إما ذكر كامل أو أنثى كاملة ويشعر هو بالرفض تجاه ما تثبته نتائج المعامل ولا يصدق أحدا من المحيطين به مع اكتمال ملامح ومعالم الذكورة أو الأنوثة أن انتماءه النفسى مغاير. يعزو العلماء هذا الاضطراب إلى عوامل التنشئة مثل تفضيل العائلة والمجتمع لجنس على آخر مما يؤدى بالأطفال لتمثل الجنس المرغوب فيه، أى ترغب البنت المقهورة فى أن تصبح ولدا لتحصل على المميزات المقصورة على أخيها مثلا.

لا يفسر هذا العامل الأمر حيث تمثل نسبة الذكور الرافضين لجنسهم ثلاثة أضعاف النساء على الأقل مما يجعل الاحتمال غير منطقى خاصة وأن أغلب الثقافات تفضل الذكور. هناك أيضا إشارة لحدوث خلل هرمونى أثناء تكوين الجنين بما يؤثر على المخ لكنه يبقى احتمال دون اثبات واضح وأكيد.

فى كل الأحوال تبدأ الرحلة الموجعة: الشخص يحاول الخلاص من عذابه فى حين يتضافر خوف الأهل وإحساسهم بالعار مع عدوانية المجتمع، كلٌ فى منظومة واحدة صارمة هدفها الإبقاء على ما درج الجميع عليه، ويُفَسَّر الأمر دون بذل كثير من الجهد على أنه شكل من أشكال الانحراف والتبذل يستدعى الاستنفار والمواجهة وحملات التجريس والعقاب.

ربما تبقى الأسباب وراء اضطراب الهوية الجنسية غامضة لا يعرف العلماء على وجه التحديد إن كانت مؤثرات بيئية توجد خلال فترة التنشئة أو أن ثمة خطأ يحدث أثناء تكوين الجنين، لكن الأكيد أن هؤلاء الأشخاص يعانون وأن معاناتهم شديدة القسوة تحرمهم من الحياة الطبيعية وتدفعهم دفعا إلى الانتحار. كثيرا ما يغيب السبب وتفشل محاولات العلاج النفسى المنفرد ويطفو السؤال: هل هناك فائدة ترجى من ترك هؤلاء لعذاب الفشل فى التوافق مع هوياتهم؟

الشاب الذى التقيته ذات يوم انتحر بعد اليأس من إمكانية العلاج وبعد أن أصر طبيبه على استخدام العقاب البدنى محاولا ردعه، وسعى شاب آخر كى يرحل فى السر طلبا لتصحيح جنسه ولبعض التفهم والقبول من المجتمع، أما إسلام فيرقد دون استكمال جراحته وحيدا ومرفوضا من الجميع.

التعامل مع مرضى اضطراب الهوية كمذنبين والنظر إلى محاولاتهم المتكررة لتحقيق التواؤم مع ذواتهم باعتبارها جريمة أخلاقية هو أمر غير مفيد ولا يمثل حلا لمشكلتهم، فمن حق كل إنسان أن يلتمس جميع السبل الممكنة لتخفيف معاناته. ربما يستدعى الأمر شيئا من التأنى والتفكر قبل التحامل والإدانة والعقاب.



بسمة عبد العزيز طبيبة وكاتبة
التعليقات