مشكلة العلم الواحد - محمد زهران - بوابة الشروق
الأربعاء 24 أبريل 2024 2:47 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

مشكلة العلم الواحد

نشر فى : السبت 31 ديسمبر 2022 - 8:25 م | آخر تحديث : السبت 31 ديسمبر 2022 - 8:25 م

هناك شيء فى الجامعات فى الخارج ليس موجودا بكثرة عندنا وهو وجود تخصص أساسى (major) وتخصص فرعى (minor) عند الطلبة فى مرحلة البكالوريوس، هذان التخصصان قد يكونان متباعدين بحيث أن أحدهما يكون فى العلوم التطبيقية والآخر فى العلوم الإنسانية أى أحدهما علمى والآخر أدبى بلغتنا فى مصر، مثلا تخصص أساسى فى الكيمياء وتخصص فرعى فى الفنون، بل إن أكثر تخصصين يختارهما الطلبة عند التخرج فى الجامعة التى أعمل بها هما علوم الحاسب وعلم النفس. إذا نظرت إلى المواد الدراسية لطالب فى مرحلة البكالوريوس قد تجد مواد فلسفية وأخرى هندسية وثالثة فى التاريخ مثلا. هل يعتبر هذا مضيعة للوقت؟ هل من الأفضل أن يركز الطالب على تخصص واحد يدرسه بعمق حتى يبرع فيه؟ يجب أن نوضح أن اختيار تخصص فرعى ليس واجبا لكن تشجعه الجامعات، السبب الذى تذكره الجامعات هو سبب اقتصادى بحت وهو أن دراسة تخصص فرعى تظهرك أمام أصحاب الأعمال أنك واسع الأفق وأن عندك أكثر من اهتمام وبالتالى ستكون فرصك أفضل فى الحصول على وظيفة بمرتب مرتفع، لكنى أعتقد أن التخصص الفرعى مهم لسبب أكثر عمقا وأن تركيزك على تخصص دقيق واحد قد لا يكون الأفضل دائما فى مرحلة البكالوريوس، وهذا موضوع مقالنا.
لنبدأ بأمثلة على تكامل العلوم، الذى يدرس علوم البرمجة مثلا يستفيد أيضا من علوم تصميم الحاسب مثل الذى يتدرب على قيادة السيارات يستفيد من معرفة ميكانيكا السيارات لأنها تساعده على قيادة أفضل وعلى استخدام السيارة الاستخدام الأمثل، الذى يدرس علم الاجتماع يستفيد من تخصص علوم الحاسب لعمل أنظمة محاكاة للمجتمعات ووسائل مبتكرة لتحليل النتائج، العلوم المختلفة تفيد بعضها البعض.
العالم الألمانى جوتفريد لايبنز واضع أساس التفاضل والتكامل (مثل نيوتن لكن كل على حدة) كان يحمل دكتوراه فى القانون. جوردون مور ثانى اثنين من مؤسسى شركة إنتل المتخصصة فى تصميم وتصنيع المشغلات الدقيقة (microprocessor) التى هى بمثابة العقل لجميع أجهزة الكمبيوتر كان يحمل درجة الدكتوراه فى الكيمياء. هربرت سايمون حصل على جائزة تيورنج (أرفع الجوائز فى مجال الحاسبات وتعتبر نوبل هذا التخصص) لإسهاماته فى وضع أساس ما يعرف الآن بالذكاء الاصطناعى، ثم حصل على جائزة نوبل فى الاقتصاد، ثم أعطته جامعة هارفارد الدكتوراه الفخرية فى القانون. لا يجب أن ننسى أن مارى كورى حاصلة على جائزتى نوبل أحدهما فى الفيزياء والأخرى فى الكيمياء. لينوس باولنج حاصل على جائزة نوبل فى الكيمياء وجائزة نوبل فى السلام. الدكتور أحمد زكى عاكف (وقد تكلمنا عنه فى مقال سابق منذ عدة سنوات) ثانى شخص فى أفريقيا والوطن العربى يحصل على درجة دكتوراه العلوم (فى الكيمياء) بعد الدكتور على مصطفى مشرفة (فى الفيزياء) قد طور مصلحة الكيمياء هو أيضا من وضع أساس مجلة العربى الكويتية المهتمة بالثقافة العامة والتى ما زالت تصدر حتى الآن.
كل هذه الأمثلة والكثير غيرها توضح أن دراسة أكثر من علم حتى وإن بدا أن العلمين متباعدان له آثاره الإيجابية، لكن قد يقول قائل إنه يجب أن يتخصص كل شخص فى تخصص دقيق واحد وفى المشروعات التى تحتاج عدة تخصصات فإن مجموعة العمل ستحتوى بالتأكيد على خبراء فى التخصصات التى يحتاجها هذا المشروع، هنا تأتى فائدة التخصص الفرعى.
إذا وضعت عدة أشخاص من تخصصات دقيقة متباعدة سويا فى مشروع فلن تكون هناك لغة علمية مشتركة وسيصبح عندنا مشكلة تواصل، لكن إذا كان تخصصك الفرعى هو التخصص الأساسى للشخص الآخر فإن التواصل سيكون أسهل وأكثر فاعلية وسينعكس ذلك على نتائج المشروع الذى تقوم به هذه المجموعة.
هناك فائدة أخرى للتخصص الفرعى بخلاف كل ما ذكرناه وهو تطوير طريقة تفكيرك، كل علم له شخصيته وطريقة معينة لإتقانه، إذا تعلمت أكثر من علم فإنك ستتعلم أكثر من طريقة تفكير وهذا يؤدى إلى كفاءة أكثر فى حل المشكلات، وإذا حددت التخصصين؛ علما تطبيقيا والآخر علما إنسانيا، فإن العلم الإنسانى سيعطيك البوصلة التى تحتاجها لتوجيه هذا العلم التطبيقى الاتجاه الصحيح.
فى النهاية أحب أن أقول إن العلم بجميع فروعه هو أداة، كيفية استخدام تلك الأداة وتوجيهها الاتجاه السليم يأتى من المواد الإنسانية، لذلك من المهم ونحن نُدرس للطلبة فى قاعات المحاضرات ألا نكتفى بالمادة العلمية للعلم الذى نُدرسه بل يجب أن نقول للطلبة أهمية هذا العالم وكيف يؤثر ويتأثر بالعلوم الأخرى وما هى أخلاقيات هذا العلم حتى يتم استخدامه الاستخدام الصحيح.

محمد زهران عضو هيئة التدريس بجامعة نيويورك فى تخصص هندسة وعلوم الحاسبات، حاصل على الدكتوراه فى نفس التخصص من جامعة ميريلاند الأمريكية، له العديد من الأبحاث العلمية المنشورة فى الدوريات والمؤتمرات الدولية، بالإضافة إلى الأبحاث والتدريس.. له اهتمامات عديدة بتاريخ وفلسفة العلوم ويرى أنها من دعائم البحث العلمى، يستمتع جداً بوجوده وسط طلابه فى قاعات المحاضرات ومعامل الأبحاث والمؤتمرات، أمله أن يرى الثقافة والمعرفة من أساسيات الحياة فى مصر.
التعليقات