على منحدر الصعود تقف مصر الآن..
هذه ليست سخرية لكنها للغرابة إقرار واقع.
تعرف قطعا أن المنحدر والصعود «دونت ميكس» الصعود والهبوط لا يجتمعان فى حالة واحدة.
لكن تلك تدابير المنطق.
ومن قال لك إن المنطق يحكم أى شىء يجرى فى هذه البلاد.
هل حكم المنطق أولئك الشباب الذين حركوا الثورة؟
هل هناك منطق ان تخلع الثورة المستبد الكبير فتستبدله بمشروع مستبد أقل كفاءة.
نحن بالفعل عند منحدر الصعود.
هناك سيارات عتيقة حين تتعطل لابد من جرها للخلف مسافات قبل دفعها للأمام.
لذلك ننحدر بسرعة لا مثيل لها فى عداد الدول المأزومة.
فى القاع سنضمن أننا لن نسقط ثانية، ولن يكون هناك مزيد من الانحدار.
وعندما تصل للقاع لن يكون أمامك حل سوى أن تصعد، وقتها سيكون ذلك هو فعل الحركة الوحيد المتاح.
كان نجيب محفوظ رجلا متصالحا مع الزمن.
حوادث التاريخ بالنسبة له مجرد أيام ومحطات فى عمر الحضارة حتى لو بلغت محطة منها مائة عام أو يزيد.
لماذا نجيب محفوظ؟
لأنه فى تسعينيات القرن الماضى كان فى طليعة المثقفين، وربما ضمن ندرة من المثقفين رفضوا التدخل العسكرى فى الجزائر.
فاز الإسلاميون فى الانتخابات العامة بالجزائر، ثم بدأوا العبث سريعا بقواعد الديمقراطية التى جاءت بهم.
اعتبروا السلالم التى صعدوا عليها كفرا وهددوا بالإطاحة بها، وتدخل الجيش وجرت فى البلاد مذابح كثيرة وحرب أهلية موجعة.
لكن نجيب محفوظ حين سأله الحرافيش عن الجزائر أدان تدخل الجيش حسب رواية سمعتها من الكاتب على سالم الذى كان حاضرا.
قالوا له: انقلبوا على الديمقراطية.. يهددون الحريات.. يعودون بالزمن الى الخلف فيما الأمل فى المستقبل.
أومأ موافقا على كل مخاوفهم لكنه استمر فى رفضه التدخل العسكرى.
سألوه عن السبب.. قال الحكيم الفيلسوف: «والناس تتعلم إزاى»؟!
ها نحن نتعلم بالفعل يا عم نجيب.
نعرف بعضنا بعضا أكثر.
يخرج أسوأ ما فينا من أفكار وثقافات وممارسات وعقد نفسية.
كان لابد من فعل تاريخى لتقليب تربة هذه الأرض
تسقط الأساطير سريعا.. وهم حكم الإسلاميين الناضج الراشد العادل يلحق بوهم العسكر الذين يعرفون كل شىء ويصلحون لكل شىء.. ووهم القوى المدنية الديمقراطية التى تبحث عن غطاء عسكرى لمواجهة الظلام.
تخلصت الثورة من استبداد مزروع فى العسكر بحكم التكوين والوظيفة داخل الثكنات.. وبقى استبداد مزروع فى تجار الدين بحكم الرغبة فى احتكار الحياة والموت، الدنيا والآخرة، سلطات وصلاحيات الحاكم المطلق، وحقوق وصلاحيات خالق الحاكم والمحكومين، وحتى يسقط هذا الوهم كان لابد من تجربة، كان لابد أن تضع أولئك الذين يرفعون شعارات الدين والأخلاق أمام ممارساتهم، كما وضعت الديمقراطيين أمام ممارساتهم.
ها هو درس العم نجيب يتحقق.
تسقط كل الأوهام والأساطير والشعارات.. ويسقط كل وكلاء الماضى الذين يسيطرون على الحاضر ويحاولون إخضاع المستقبل، وعندما يكتمل السقوط وتبلغ نهاية المنحدر، ستكون أجيال تنتمى للمستقبل حركت الثورة، وهى مؤمنة بمشروعها الاخلاقى غير الاقصائى، وبمكونات الوطن دون حذر انتقائى، مستعدة لتحريك الوطن من جديد فى اتجاه الصعود.