ولى النعم.. قراءة جديدة‬ - طلعت إسماعيل - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 مارس 2026 12:53 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

ولى النعم.. قراءة جديدة‬

نشر فى : الإثنين 9 فبراير 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الإثنين 9 فبراير 2026 - 7:05 م

‬كثيرة هى الكتب والدراسات التى تناولت شخصية محمد على باشا وتفاصيل صعوده إلى حكم مصر، ذلك الجندى العثمانى الذى جاء فى مطلع القرن التاسع عشر لإخراج الفرنسيين وملاحقة المماليك وكسر شوكتهم، فإذا به يتحول، باختيار القوى المحلية ودهائه السياسى، إلى أقوى حاكم يتربع على رأس أهم ولاية فى الإمبراطورية العثمانية.‬
ومع هذا الزخم من الكتابات، يبرز سؤال مشروع: هل لا يزال هناك جديد يمكن تقديمه عن عالم الباشا الطموح، الذى وصلت جيوشه الغازية إلى قلب الإمبراطورية العثمانية ذاتها؟‬

 


الإجابة، كما يطرحها المؤرخ خالد فهمى، هى نعم. فما زال فى سيرة محمد على الكثير مما يستحق إعادة النظر والتحليل، خصوصا مع الانقسام التاريخى حول شخصيته: بين من يراه «مؤسس مصر الحديثة»، ومن يعتبره، كما وصفه الإمام محمد عبده، «هادمًا لمصر» وحاكمًا قاسيًا على أهلها المصريين.‬
فى كتابه الجديد «ولى النعم: محمد على باشا وعالمه»، الصادر حديثا عن دار الشروق، يقدم خالد فهمى، الأستاذ بجامعة تافتس الأمريكية، قراءة نقدية معمقة لشخصية محمد على، مستكملًا مشروعه البحثى الذى بدأه فى كتابه الشهير «كل رجال الباشا»، الصادر عن دار الشروق أيضًا؛ حيث نظر فيه إلى الحاكم بعين رعاياه لا من شرفة السلطة.‬
اختار فهمى عنوان «ولى النعم» ليكون مفتاحًا لقراءة علاقة محمد على بمحيطه، وهو اللقب الذى كان الباشا يفضله لنفسه. وفى الكتاب الذى كتب بالإنجليزية وترجمه وحرره باللغة العربية محمد هوجلا ــ كلفت، بتناغم تام مع مؤلفه، يسعى المؤلف إلى تصحيح عدد من المعلومات الشائعة وغير الدقيقة حول الباشا.‬
من بين هذه التصحيحات ما يتعلق بأصول محمد على، إذ يؤكد فهمى أن الباشا مقدونى الأصل، ولد فى مدينة «قولة» التى تقع حاليا داخل اليونان، لا ألبانى العرق كما شاع. ويعزو المؤلف هذا الالتباس إلى لحظة وصول محمد على إلى مصر عام 1801 ضمن قوة صغيرة من بلدته، قبل أن تنضم إلى قوات أكبر من الجنود الأرناؤوط، ما أدى إلى الربط الخاطئ بينه وبين الألبان.‬
كذلك يناقش الكتاب تاريخ ميلاد محمد على، إذ جرى العرف على ذكر عام 1769، وهو التاريخ الذى كان الباشا نفسه يروجه فى أحاديثه مع زواره الأجانب، للإيحاء بتزامن ميلاده مع نابليون بونابرت. غير أن ميدالية تذكارية صكت عام 1847 بمناسبة تدشين القناطر الخيرية تشير إلى أنه ولد عام 1184 هجرية، أى ما بين 1770 و1771 ميلاديا، ويرجح فهمى  1770 عامًا لمولده.‬
يمتلئ الكتاب بمحطات تكشف ملامح شخصية محمد على، منذ طفولته وحتى سنواته الأخيرة: حاكم عنيد، شديد التطلع للسيطرة، لا يتردد فى استخدام المكر والعنف حين يستدعى الأمر الحسم. ويبرز ذلك بوضوح فى سرد وقائع مذبحة القلعة عام 1811، التى قضى بها على المماليك عبر خطة محكمة لم يطلع عليها سوى ثلاثة من خاصته.‬
كما يفرد فهمى صفحات مهمة لعلاقة الباشا بابنه إبراهيم، ذراعه العسكرية الضاربة، التى خاضت حروبًا دامية فى الحجاز والشام والأناضول، قبل أن تجبر الضغوط الأوروبية محمد على عام 1840 على التراجع عن طموحاته الإقليمية، والاكتفاء بحكم مصر وراثيًا وفق فرمان 1841.‬
يرفض المؤلف تصوير محمد على بعد هذا التاريخ كحاكم محطم، ومحبط، أو خرف، مؤكدًا أن الوقائع التاريخية تناقض ذلك، إذ شهدت سنواته الأخيرة نشاطات سياسية وعمرانية مهمة، ولم تظهر عليه أعراض الشيخوخة الذهنية إلا فى عامه الأخير قبل وفاته فى منتصف نهار 2 أغسطس 1849.‬
فى المحصلة، لا يخفى خالد فهمى إعجابه بقدرة «محمد على» على الصعود من أصول متواضعة إلى تأسيس أسرة حاكمة اعترفت بشرعيتها القوى الكبرى آنذاك. غير أن هذا الإعجاب لا يلغى السؤال المفتوح: ماذا أخذ محمد على من المصريين، وماذا قدم لهم؟ وهو سؤال سيبقى حاضرا فى قلب الجدل حول واحدة من أكثر الشخصيات إشكالية فى التاريخ المصرى الحديث.‬

التعليقات