عديدة هى الروايات التى تؤرخ لبزوغ ما اصطُلح على تسميته تاريخيا «محنة»، أو «فتنة خلق القرآن». فثمة من يرى أن الجعد بن درهم كان أول من نُسب إليه الخوض فى فرية كهذه إبان القرن الثانى الهجرى. وفى سفره المعنون: «الكامل فى التاريخ»، ذكر ابن الأثير أن الجعد قد أخذ القول بخلق القرآن عن بعض اليهود الذين نقلوا ذلك الزعم عن لبيد بن الأعصم. وهو نفسه الساحر اليهودى، الذى تُنسب إليه الكثير من المصادر الإسلامية الضلوع فى سحر نبينا محمد ﷺ. ورجحت مصادر تاريخية شتى أن جهم بن صفوان، الذى تُنسب إليه فرقة الجهمية، قد أخذ بهذا القول عن الجعد، ثم انبرى فى نشره والدعوة إليه بين جموع الناس.
بيد أن رهطا آخر من المؤرخين يذهب إلى أن أول من أحدث القول ببدعة خلق القرآن ودعا إليها هو بشر بن غياث المريسى المعتزلى، فى عهد الخليفة العباسى السابع المأمون (198-218 هـ). ورويدا رويدا، توالت الفِرَق التى تبنت رأى المعتزلة بهذا الصدد، كمثل: الرافضة، الإباضية، الخوارج، الزيدية، والجهمية. ومن بين تلك الفِرَق من كان يروّج لهذه البدعة بدعم من خلفاء تبنوا فكرهم.
لما كانت بطانة المأمون من المتكلمين المعتزلة على شاكلة ثمامة بن الأشرس، أبو الهذيل العلاف، الجاحظ، بشر المريسى، وأحمد بن أبى دؤاد، فقد وقع تحت تأثير أفكارهم، واستقر على رأيهم بشأن خلق القرآن، بل أمر العلماء بتبنيه، كما عاقب من يقول بغير قولهم. ففى عام 218 هـ، أصدر الخليفة العباسى قراره الشهير باختبار العلماء والفقهاء والمحدثين فى مسألة القول بـ«خلق القرآن». إذ فرض على الجميع الإقرار بأن القرآن مخلوق، مُصدرا عقوبات مختلفة بحق من خالف هذا الاعتقاد، كالفصل من الوظائف القضائية، المنع من التحديث، قطع الأرزاق والأعطيات التى كانت تجريها الدولة عليهم، إضافة إلى الحبس والجلد.
برّر التيار المعتزلى اعتناقه مزاعم خلق القرآن بأن كلام الله صفة غير ذاتية فيه، وأنه مجرد صفة فعل حادثة فى الزمان. ومن ثم فهو، فى نظرهم، مخلوق ومحدَث وليس قديما أزليا. ذلك أن الكلام إنما يتكون من حروف وأصوات، ولا خلاف على أن تلك المكونات مخلوقة. ولقد قسموا الوجود إلى: قديم أزلى موجود وقائم قبل الزمن، ومحدث طارئ مخلوق يشمل كل المخلوقات. وذهبوا إلى أن القديم الوحيد الموجود هو الله عز وجل؛ أما جميع الموجودات الأخرى، فهى محدثة، والنص القرآنى مخلوق، مثله مثل بقية المخلوقات التى خلقها الله تعالى، وأوجدها من العدم، ومن ثم تهلك وتفنى.
لم يثبت على رفض الادعاء بخلق القرآن سوى عدد محدود من العلماء هم: الإمام أحمد بن حنبل، محمد بن نوح البويطى، على بن المدينى، نعيم بن حماد، الفضل بن دُكين، ويحيى بن معين. تراجع جلهم تحت وطأة الضغط، بينما لم يثبت على موقفه سوى ابن حنبل وابن نوح. فأمر المأمون باعتقالهما، ونقلهما مقيدين إلى طرسوس، لكن محمدا توفى فى الطريق، ولحق به المأمون. واستمرت المحنة فى عهد المعتصم (218-227 هـ)، الذى تبنى مذهب أخيه، فاستدعى ابن حنبل وعقد مناظرة بينه وبين أنصار القول بخلق القرآن دامت ثلاثة أيام. وخلالها ثبت الإمام على موقفه وأفحمهم وفند مزاعمهم، إذ احتج بآيات قرآنية كمثل: «ألا له الخلق والأمر» (الأعراف: 54)، وشرح تفريق المولى جل وعلا بين الخلق والأمر، موضحا أن القرآن من أمره. ورفض القياس العقلى فى مسائل العقيدة، وركز على أن القرآن صفة من صفات الله التى لا تُخلق.
وأفجع زعيمهم، أبو دؤاد، بحجة قوية تجلت فى سؤال مفاده: »أهذا شىء لم يعلمه النبى ﷺ ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت؟ أم أن النبى ﷺ والصحابة الكرام علموا بالأمر وكتموه ولم يدعوا الناس إليه؟» فُبهت المعتزلة وعجزوا عن مواصلة الجدال. غير أن المعتصم، ورغم يقينه من قوة حجة بن حنبل، لم يعف عنه. ثم جاء الخليفة الواثق (227-232 هـ)، فشدد على إلزام الناس بفرية خلق القرآن، وعاقب المخالفين، لكن الإمام ظل صامدا، فأُمر بنفيه إلى بغداد حتى وفاة الواثق عام 231 هـ، ومكث الإمام فى السجن ثمانية وعشرين شهرا.
رغم التعذيب والاضطهاد، عكف بن حنبل يقول: «أشهدك اللهم أن القرآن ليس بمخلوق، لأن المخلوق فانٍ، وحاشا لكتاب الله أن يُعد فى الفانين». فعلى مفاسد عظيمة انطوت فرية خلق القرآن، المستمدة من أفكار مسمومة وقاصرة، انبلجت اجتهادات غير مبنية على دليل. فبداية، يخالف الزعم بخلق القرآن الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة القائلين بأن القرآن كلام الله عز وجل منزل غير مخلوق. ناهيك عن أن القول بخلق القرآن يلزم منه تعطيل صفة الكلام والقول بأنه غير متكلم. وهذا إلحاد فى صفات الله، واتّهام له بالنقص، فالكلام صفة كمال وعدمه صفة نقص. وقد اعتبرت جماعة أهل الحديث، وهم الذين مثلوا التيار المبكر الرافض للقول بخلق القرآن، أن القرآن كلام الله وصفة من صفاته؛ فلا يمكن الفصل بينها وبين صاحبها، وهى تشترك معه فى صفاته الذاتية، التى تأتى صفة القدم على رأسها. والصفة لا تتجزأ عن الله، والصفة تابعة للموصوف، والله بذاته وصفاته هو الخالق. كما أن القول بأن القرآن مخلوق يلزم منه نفى تكلمه سبحانه وتعالى بالوحى ونفى الشرائع والكتب المنزلّة، التى ثبت أن ربنا كلم بها جبريل، ثم بلغها جبريل لأنبياء الله ورسله. علاوة على أن الزعم بخلق القرآن ينفى عنه الإعجاز، ويستتبع القول بوجوب نقده، وأنه كغيره من النصوص، وهذا يُفضى إلى تحكيم العقل عليه.
وينطوى القول بخلق القرآن على ادعاء بأن المولى عز وجل محتاج إلى خلقه فى البيان عنه وفى أمر العباد بالشرائع ونهيهم. ومن ثم اهتدى علماء كثر إلى أن من الزعم بخلق القرآن يجعل شيئا من صفات الله مخلوقا، وهو من الكفر البواح.
فى عام 232 هـ، تولى المتوكل الخلافة؛ وكان محبا للسنة، وقد آثر التودد للعامة والتقرب من أهل الحديث للاستقواء بهم ضد خصومه، ما جعل القضاء على فكر المعتزلة ونصرة ابن حنبل خيارا سياسيا وعقائديا فى آن. لذا تبنى عقيدة «أهل الحديث» بكون القرآن كلام الله غير مخلوق، ما أدى إلى انكماش سلطة ونفوذ المعتزلة وتحولهم إلى خصوم للخلافة. وباندثار القول بخلق القرآن، انتهت الفتنة بعد نحو خمسة عشر عاما على اندلاعها.
وعلى إثر ذلك، استدعى المتوكل الإمام أحمد، وأكرمه، وأجزل له مالا كثيرا، لكنه أنفقه على الفقراء والمساكين. ثم عاد إلى مجالس العلم، وغدا إماما لأهل السنة، وبقى رمزا للثبات فى وجه البدع. وقد قال أستاذه وصاحبه الإمام الشافعى فى حقه: «خرجت من بغداد وما خلفت أتقى ولا أفقه من ابن حنبل». وقد حُكى أن الإمام الشافعى، لما كان بمصر، رأى سيد المرسلين ﷺ وهو يقول: بَشِّرْ أحمد بن حنبل بالجنة على بلوى تصيبه، بأنه يدعى إلى القول بخلق القرآن، فلا يجيب إلى ذلك، بل يقول: هو منزل غير مخلوق.
استشعر مفكرون فى محنة خلق القرآن نموذجا للاشتباك والتداخل الجدلى بين الدينى والسياسى. ففى مؤلفه المعنون: «المحنة»، ذهب المفكر الأردنى فهمى جدعان إلى أن قضية خلق القرآن قد طوت مضمونا سياسيا بالمقام الأول. إذ لم تحل صبغتها الدينية دون توظيفها لخدمة أغراض مؤسسة الخلافة فى «إطار منطق الدولة أو منطق الملك». فقد عمد المأمون إلى إضعاف سلطة رجال الدين على عوام الناس، الذين شكلوا إبان تلك الحقبة وقود الحركات الثورية المناهضة لسلطة الخلافة. فلقد توجس المأمون خيفة من تعاظم سلطة رجال الدين والفقهاء فى المجتمع إلى مستوى من شأنه تهديد نفوذ الخليفة. لذلك، عمل ومن جاء بعده من الخلفاء على تعزيز السيطرة المطلقة على المجالين الدينى والسياسى فى الدولة، مقابل إضعاف سلطة رجال الدين، عبر الحط من أقدارهم، وتشويه صورهم، وإظهارهم بمظهر الحمقى الذين لا يعرفون أصول الدين. كما التمس تقويض موثوقية العلماء المؤثرين فى توجيه العامة من خلال تعريضهم لسؤال خلق القرآن وامتحانهم فيه، حتى يطاوعوه وينزلوا على رأيه، فيسقطوا من أعين العامة، ويتآكل تأثيرهم، فيتلاشى نفوذهم الموازى لسلطة الدولة.