تتساقط المشاهد والصور كقطرات المطر فجأة فى طقس ما بين بين، فتقف مندهشًا أنها لم ترحل من الذاكرة، بل اختبأت فى ثناياها، بل حتى الأصوات لمن كانوا هنا أو هناك لا تزال ترددها نسمات ذاك المساء. الذاكرة ليست خزانة مغلقة نفتحها حين نشاء، ولا ألبومًا من الصور القديمة نعود إليه بدافع الحنين. الذاكرة كائن حى، يتنفس فى تفاصيلنا اليومية، فى أسماء الشوارع، فى لهجة الناس، فى الحكايات التى تُروى همسًا، وفى تلك التى لم تُروَ أبدًا. هى ما يجعل المكان أكثر من جغرافيا، والزمان أكثر من تاريخ مدوَّن. والمكان، عندما يمحى أو تتغير معالمه، بشكل متعمد أو حتى ببنيات حسنة أو بدافع الحداثة، يبقى من المهم أن تبقى ذاكرة المكان حية.
• • •
تداعَت كل تلك الأفكار والصور وأنا أحاول أن أجد الطريق لذلك المركز الثقافى العريق، الساكن فى قلب الذاكرة الجميلة. علمت أن على الحضور مبكرًا لأن هناك أعمال بناء وحفر فى مدينتى العتيقة، بل المعتقة بحكايات أهلها و«سوالف» أمهاتنا وجداتنا، وهمس الرجال الجالسين أمام ذاك الدكان فى أول الشارع أو القهوة الشهيرة بعده وهم يحاولون سرقة البصر نحو فتاة أو امرأة عابرة سريعًا دون أن تلحظ ذلك، أو هكذا كانوا يتصورون. بعضهم لا يستطيع كبح الرغبة فى التمعن فى الأنثى، ورغم ذلك تبدو تلك السرقات البصرية بريئة جدًا أمام ما يحدث اليوم علنًا وجهَرًا!
• • •
اختفت المعالم، أو بعضها، بين أكوام التراب والجرافات، وولجت فى رحلة بين جدران البيوت العتيقة فى أزقة أيقظت الذاكرة، بل كل الطفولة بصورها الفرحة البريئة والمثيرة أحيانًا. الطريق كان شبيهًا بتتبع الأثر مع وشوشة البيوت القديمة. طفحت كل الصور فوق التراب والجرافات، بل أصبحت أكثر وضوحًا الآن رغم أننى تصوّرت أنها بفعل عوامل الزمن والعمر قد محيت. هنا نكتشف أن الذاكرة تبقى حية رغم كل تعاريج الزمن والبشر!
• • •
لم تكن الذاكرة يومًا بريئة، ولم يكن استهدافها فعلًا عشوائيًا. صار الماضى ساحة معركة، وصارت الذاكرة هدفًا مشروعًا. فالتاريخ الذى لا يُروى كما كان، يُعاد تشكيله كما يُراد له أن يكون. ولكن هناك بالطبع محاولات إنقاذ للذاكرة فى المحافظة على الجدران قبل أن تنهار وتصبح أطلالًا، وهذا بالطبع مشروع إذا ما كان ضمن رسم واضح للحفاظ على ذاكرة المكان.
• • •
ففى فلسطين، كان محو الذاكرة جزءًا لا يتجزأ من سياسة الصهاينة الممنهجة. فالقرى التى أُفرغت من سكانها لم تُترك أطلالًا شاهدة، بل أُعيدت تسميتها، وزُرعت فوقها سرديات جديدة. كأن المكان لا يكتفى بأن يُؤخذ، بل يجب أن يُقنع العالم بأنه لم يكن لأحد قبلاً. هنا، لم يعد محو الذاكرة وسيلة حكم، بل أداة لإلغاء الوجود نفسه. لذلك، فالجهود الجبارة التى بذلت وتبذل لكى تبقى الأسماء والتواريخ والشوارع وتفاصيل المكان، بل رائحته، كلها غاية فى الأهمية، وهى جزء من المقاومة.
• • •
وتاريخنا العربى حافل بقصص عن الذاكرة أو محوها أو تغييرها. مدن تغيّرت أسماؤها، وأحياء أُعيد تخطيطها، لا لأن المكان كان متهالكًا، بل لأن ذاكرته لا تنسجم مع الصورة الجديدة. فى بعض العواصم، اختفت أحياء بكاملها من الخرائط، وبقيت فقط فى ذاكرة من عاشوا فيها. الشارع الذى كان يحمل اسمًا شعبيًا صار رقمًا، والحى الذى كان يُعرف بحرفته أو بناسه صار مشروعًا بلا حكاية. هكذا يقوم بعضهم اليوم بنشر صور لمدن مدمرة بفعل الإبادة الجماعية من قبل الصهاينة أو الحروب المفتعلة بين ما يسمى "إخوة". فتنتشر صور على وسائل التواصل الاجتماعى لمدن مدمرة وكيف ستتحول إلى مدن الأحلام بناطحات السحاب والحدائق الواسعة والواجهات الزجاجية اللامعة.
• • •
أحيانًا لا يُمحى الماضى بالقوة، بل وبالإغواء أيضًا. يُقال للناس إن مدينتهم ستكون أفضل حين تشبه مدينة أخرى، وإن خلاصها فى أن تفقد ملامحها القديمة لتكتسب ملامح مستوردة. تمتد أدوات «المخلصين» اليوم كأخطبوط ناعم: شركات إعمار، مكاتب هندسية حداثية جدًا، وخطاب تخطيطى يُقنع السكان أصحاب الأرض وما عليها بأن الروح يمكن تعويضها بالإسمنت، وأن الذاكرة عبء على التقدّم.
• • •
تبقى الذاكرة بوصلة الكثيرين، فهى ليست عبئًا، بل ربما هى حق، وحمايتها ليس ترفًا ثقافيًا أو تمسكًا بالماضى بكل ترهلاته، بل هو المحافظة على روح المكان، لأن للأمكنة أرواحها أيضًا التى لا تُعوض بالأسمنت والزجاج والبهرجة.
كاتبة بحرينية