بعد الدعوة.. كيف نضمن نجاح الحوار الفكرى العربى؟ - سماء سليمان - بوابة الشروق
الجمعة 17 يوليه 2026 12:31 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من بطل مونديال 2026 ؟

بعد الدعوة.. كيف نضمن نجاح الحوار الفكرى العربى؟

نشر فى : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م | آخر تحديث : الخميس 16 يوليه 2026 - 7:05 م

بعد الدعوة إلى إطلاق حوار فكرى عربى شامل تحت مظلة جامعة الدول العربية، أستطيع القول إنها انطلقت من الحاجة إلى مراجعة واقع النظام العربى، فإن الهدف الرئيس الآن هو كيفية تحول هذا الحوار إلى تجربة ناجحة ومؤثرة، لا إلى مؤتمر آخر ينتهى ببيان ختامى وتوصيات تُحفظ فى الأدراج.
لقد أثبتت التجارب الدولية أن المؤسسات الإقليمية الكبرى تتطور بعمليات تفكير جماعى طويلة المدى، تشارك فيها النخب الفكرية والأكاديمية والخبراء إلى جانب صناع القرار. فالسياسات الرشيدة تبدأ دائمًا بفكرة جيدة، والفكرة الجيدة لا تولد إلا داخل حوار حر ومنظم يستند إلى المعرفة والخبرة.
ومن هنا، فإن نجاح الحوار العربى المقترح يتطلب منذ البداية الاتفاق على فلسفته. فالهدف لا ينبغى أن يكون الدفاع عن الواقع العربى أو توجيه اللوم إلى أحد، وإنما الوصول إلى تشخيص علمى وموضوعى للتحديات التى تواجه النظام العربى، بعيدًا عن المجاملات السياسية أو الحسابات الضيقة.
وأرى أن تنطلق أعمال الحوار من سؤال محورى، وهو: كيف يمكن بناء نظام عربى أكثر قدرة على حماية المصالح العربية خلال العقود المقبلة؟
وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغى تقسيم الحوار إلى محاور رئيسية، بحيث يتناول كل محور قضية استراتيجية تمثل أحد أعمدة المستقبل العربى.
المحور الأول هو مستقبل النظام العربى ذاته. فهل ما زالت المؤسسات الحالية قادرة على أداء أدوارها؟ وما الإصلاحات المطلوبة حتى تصبح جامعة الدول العربية أكثر قدرة على المبادرة وصناعة التوافقات وإدارة الأزمات؟
أما المحور الثانى، فيتناول الأمن العربى بمفهومه الشامل، فلم يعد الأمن يقتصر على الجوانب العسكرية، بل أصبح يشمل الأمن الغذائى والمائى والصحى والسيبرانى والتكنولوجى، وأمن الطاقة وسلاسل الإمداد، وهى ملفات أصبحت تحدد قوة الدول واستقرارها.
ويُخصص المحور الثالث للاقتصاد العربى، باعتباره المدخل الحقيقى لأى مشروع تكامل إقليمى. فالعالم يشهد سباقًا اقتصاديًا قائمًا على التكامل الإقليمى، بينما لا تزال التجارة البينية العربية دون مستوى الإمكانات المتاحة، رغم ما تمتلكه المنطقة من موارد طبيعية، وأسواق واعدة، ورءوس أموال، وكفاءات بشرية تتنافس عليها الدول المتقدمة.
أما المحور الرابع، فيجب أن يناقش التحولات الدولية الكبرى، وكيف يمكن للدول العربية أن تتعامل مع نظام عالمى جديد يشهد تنافسًا متزايدًا بين القوى الكبرى، وثورة غير مسبوقة فى الذكاء الاصطناعى والتكنولوجيا والاقتصاد الرقمى.
ولا يقل عن ذلك أهمية المحور الثقافى والمجتمعى، لأن أى مشروع عربى مستقبلى لن ينجح إذا ظل بعيدًا عن الشباب والجامعات ومراكز الفكر ووسائل الإعلام والمجتمع المدنى. فالمؤسسات الإقليمية تستمد قوتها من ثقة الشعوب، وليس فقط من توافق الحكومات.
ولكى يحقق الحوار أهدافه، فإن تنظيمه يجب أن يختلف عن النمط التقليدى للمؤتمرات. فلا ينبغى أن يقتصر على جلسات عامة وخطب رسمية، بل يتضمن مجموعات عمل متخصصة، وأوراقًا بحثية محكمة، ونقاشات مغلقة تسمح بحرية تبادل الأفكار، على أن تُرفع مخرجاتها إلى الأمانة العامة لجامعة الدول العربية فى صورة وثائق سياسات قابلة للتطبيق.
ومن المهم أيضًا أن يكون الحوار عملية ممتدة، وليس حدثًا ليومين أو ثلاثة. ويمكن أن يمتد على مدار عام كامل، تُعقد خلاله جلسات دورية فى عدد من العواصم العربية، مع الاستفادة من المنصات الرقمية لإشراك الخبراء العرب المقيمين فى مختلف أنحاء العالم.
كما أقترح أن تُنشئ جامعة الدول العربية لجنة علمية مستقلة تشرف على إعداد أوراق النقاش، وتضم خبراء فى العلاقات الدولية والاقتصاد والأمن والقانون الدولى والتنمية والتكنولوجيا والعلوم الاجتماعية، بحيث تضمن جودة المخرجات وحيادها العلمى.
ولعل من أهم عوامل النجاح أن تُمنح مساحة واسعة للشباب والباحثين الجدد، فهؤلاء هم من سيعيشون المستقبل الذى نناقشه اليوم، ومن الطبيعى أن يكون لهم دور فى رسم ملامحه.
ولا ينبغى أن يقتصر تقييم نجاح الحوار على عدد المشاركين أو حجم التغطية الإعلامية، وإنما يُقاس بمدى قدرة توصياته على التحول إلى برامج عمل وخطط تنفيذية وآليات متابعة داخل مؤسسات جامعة الدول العربية.
إن المنطقة العربية تمتلك من الخبرات والكفاءات الفكرية والعلمية ما يؤهلها لإنتاج رؤى استراتيجية متقدمة، لكنها تحتاج إلى منصة عربية جامعة تجمع هذه العقول حول مشروع مشترك للمستقبل.
وأعتقد أن جامعة الدول العربية، فى ظل قيادتها الجديدة، معالى الوزير نبيل فهمى، تملك فرصة تاريخية لإطلاق هذا المسار الفكرى، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا فى مستقبل العمل العربى المشترك.
فالحوار الحقيقى بداية لصناعة السياسات، وبناء التوافقات، واستعادة الثقة فى قدرة النظام العربى على التجدد والتكيف مع عالم سريع التغير.
وربما يكون أكبر إنجاز يمكن أن يخرج به هذا الحوار هو تأسيس تقليد عربى دائم للتفكير الاستراتيجى الجماعى، بحيث يصبح اللقاء الفكرى العربى منصة سنوية تستشرف المستقبل، وتقدم لصناع القرار رؤى علمية تساعدهم على مواجهة تحديات الغد قبل أن تتحول إلى أزمات جديدة.
فالأمم التى تستثمر فى الحوار المنظم، تستثمر فى المستقبل، والجامعة العربية اليوم أمام فرصة لأن تقود هذا الاستثمار الفكرى، وأن تؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها الفكر شريكًا فى صناعة القرار، لا مجرد شاهد عليه.

سماء سليمان كاتبة ومحللة سياسية
التعليقات