الأزهرى الساخر - سمير عمر - بوابة الشروق
الإثنين 27 يوليه 2026 12:02 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما تقييمك لنسخة كأس العالم 2026؟

الأزهرى الساخر

نشر فى : الأحد 26 يوليه 2026 - 8:50 م | آخر تحديث : الأحد 26 يوليه 2026 - 8:50 م

لعل من أهم مزايا حضور المؤتمرات والندوات الثقافية والعلمية - هذا إلى جانب المشاركة فى جلساتها ومناقشاتها بالطبع - ما يوفره من فرصة رائعة للقاء الزملاء والأصدقاء الذين تحول ظروف العمل ومشاغل الحياة عن لقائهم والاستمتاع بالجلوس معهم.

وفى الأسبوع الماضى سعدت بالمشاركة فى مؤتمر «الأسرة المصرية والتماسك المجتمعى فى ظل المتغيرات المعاصرة» الذى نظمته الهيئة القبطية الإنجيلية برئاسة القس الدكتور أندريه زكى رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر، كانت جلسات المؤتمر غاية فى الأهمية، كعادة المؤتمرات التى تنظمها الهيئة وأحرص على حضورها منذ سنوات، لكن هذه المرة وبعد انتهاء الجلسة الافتتاحية التى عقدت تحت عنوان «الأسرة والهوية الوطنية» وتحدث فيها الدكتور أندريه زكى، ووزير الأوقاف الدكتور أسامة الأزهرى ورئيس المجلس القومى للمرأة المستشار أمل عمار ورئيس الهيئة العامة للاستعلامات السفير علاء يوسف، وأدارها الزميل ياسر عبد العزيز عضو مجلس الشيوخ، أقول بعد انتهاء هذه الجلسة المهمة وبينما تفرق المشاركون فى حلقات دردشة صيفية على شاطئ «العين السخنة» وجدتنى وبدون ترتيب مسبق فى حضرة نخبة من المثقفين المتميزين الذين لم تجمعنى بأغلبهم من قبل جلسة واحدة، ويتقدمهم القس الدكتور أندريه زكى والدكتور أسامة الأزهرى، التحقت بالجلسة بينما كان الدكتور الأزهرى يتحدث عن الشعر والشعراء، ردا على سؤال أحد المشاركين فى الجلسة، ومن الشعر إلى حيوية مصر ومعاركها الثقافية انتقل الحديث فى رشاقة لم تخلُ من خفة ظل تعليقات الدكتور أندريه زكى، ومزاح الدكتور أسامة الأزهرى، خفة ظل لا تقلل من وقار «القس» ومزاح لا ينال من هيبة «الشيخ»، وضحكات المشاركين التى تظهر قدر ما يجمعهم من محبة، خاصة حين تناول الدكتور الأزهرى تاريخ تسمية بعض القرى فى صعيد مصر وعلاقتها بشيوخ الأزهر الشريف.

‎لفت نظرى أن الدكتور أسامة الأزهرى حين قرأ أبياتا من الشعر القديم على الحاضرين كان يقرأ من الذاكرة، لكنه حين قرر أن يقرأ بعضا من أشعاره، فتح هاتفه المحمول وقرأ منه، فسألته: أليس غريبا أنك تحفظ أشعار غيرك، وحين أردت قراءة أشعارك لجأت إلى ما حفظته على هاتفك المحمول؟ فأجاب: بلى فأنا لم أحفظ شعرى قط! كان أمير الشعراء أحمد شوقى لا يحفظ شعره ويتجنب إلقاءه أمام الجمهور العام ، لم أرد أن أسترسل فى الحديث فأحرم نفسى من مواصلة الاستمتاع بجمال النقاش وحيويته، لكن بعد أن أنهى الدكتور الأزهرى حديثه داعبنى ودعانى للحديث: شكرته على لفتته الطيبة وتحدثت سريعا عن السياق الذى تجلت فيه حيوية مصر ومعاركها الفكرية، وارتباط ذلك بسؤال النهضة الذى طرق رءوس مفكرى مصر فى نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، وعلاقة هذا السياق بالمعارك التى أثارها كتاب الشيخ على عبد الرازق «الإسلام وأصول الحكم» وكتاب «فى الشعر الجاهلى» للدكتور طه حسين وارتباط ذلك ــ خاصة مع كتاب الإسلام وأصول الحكم ــ برغبة السلطان فؤاد بإعلان نفسه خليفة للمسلمين بعد سقوط الخلافة العثمانية، وبخفة ظل العالم المثقف تلقى الدكتور أسامة الأزهرى تعليقى وزاد عليه بأن دافع عن موقف الشيخ محمد بخيت المطيعى مفتى الديار المصرية آنذاك فى مؤتمر الخلافة الذى عقد عام 1926 القائل بعدم توافر شروط إقامة الخلافة الإسلامية.

انتهت تلك الجلسة التى جمعت مسلمين ومسيحيين فى أجواء من المحبة الخالصة بما شهدته من نقاش جاد ومزاح لطيف، فتركت فى نفسى أثرا طيبا بأن ذكرتنى بتلك السنوات التى لمع فيها نجم عدد من شيوخ الأزهر الأجلاء الذين كانوا «زينة المجالس» بجميل حديثهم وسعة أفقهم وقدرتهم الفذة على السخرية، وعلى رأسهم «أمير الساخرين» و«جاحظ» العصر الحديث الشيخ عبد العزيز البشرى، وهو نجل الشيخ الجليل «سليم البشرى» الذى تولى مشيخة الأزهر مرتين فى حياته الوظيفية.  

وقد نشأ عبد العزيز البشرى فى هذا البيت العامر بالعلم والثقافة وتلقى تعليمه فى الأزهر الشريف حتى نال الشهادة العالمية عام 1911، وعين سكرتيرا بوزارة الأوقاف ثم انتقل إلى وزارة الحقانية، ثم سكرتارية وزارة المعارف، وبعدها انتقل للقضاء الشرعى، ثم استقر به المقام مراقبا عاما لمحمع اللغة العربية حتى رحل عن عالمنا عام 1943.

وكان البشرى الأزهرى المعمم يمتلك قلما رشيقا وحسا ساخرا وقدرة فائقة على التنكيت والتبكيت، حفلت حياته الأدبية بعشرات المقالات الساخرة التى ضم بعضها فى كتابه البديع «فى المرآة» حيث قدم صورا كاريكاتورية للعديد من رموز عصره من السياسيين والأدباء والشعراء، ومن أطرف ما روى عنه أنه كان مع عدد من الأصدقاء فى عزبة أحد وجهاء العائلة الأباظية بالشرقية، فقام البشرى ليتوضأ وترك «جبته» السوداء معلقة ــ الجبة هى الرداء الذى يرتديه المشايخ فوق الجلباب ــ فلما عاد وجد أصدقائه قد رسموا على «الجبة»  بالطباشير وجه حمار نكاية فيه ورغبة فى السخرية منه، فنظر إليهم البشرى فى ثبات وقال لهم والابتسامة تعلو وجهه: مين فيكم مسح وشه فى الجبة؟!.

 رحم الله الشيخ عبد العزيز البشرى الأزهرى الساخر وأطال الله فى أعمار شيوخنا الأجلاء الذين لا تخلو مجالسهم من الفكاهة حتى لو كانت فى ندوات ثقافية أو مؤتمرات علمية.

سمير عمر كاتب صحفي يمتلك خبرة تمتد لنحو ثلاثة عقود في مجال الصحافة والإعلام
التعليقات