- محمود التميمي: شرعية زعامة عبد الناصر بدأت مع تأميم القناة
- محمد الشافعي: ديليسبس ليس مهندسا سرق مشروع القناة ونسبه لنفسه
- علي الحفناوي: والدي وصل للعقد الأصلي للقناة الذي أثبت مصريتها وسنوات الامتياز كانت بوثيقة مزورة
أحيت سلسلة أرواح في المدينة الذكرى السبعين لتأميم قناة السويس، مساء أمس الأربعاء، بأمسية بعنوان "سبعين سنة على التأميم.. حقيقة ما جرى"، قدمها الكاتب الصحفي والإعلامي محمود التميمي، واستضافها المسرح الصغير بدار الأوبرا المصرية، إذ شهدت حضورًا جماهيريًا كبيرًا، ومن بين ضيوفها الدكتور علي الحفناوي، نجل الدكتور مصطفى الحفناوي الذي صاغ قرار تأميم القناة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والكاتب الصحفي والمؤرخ محمد الشافعي، مؤلف كتاب "ديليسبس.. الأسطورة الكاذبة".
وبدأت الأمسية بأغنية "بورسعيد الوطنية"، التي تروي سيرة التأميم والمقاومة خلال العدوان الثلاثي على المدينة الباسلة، وأدتها فرقة "صوت البحر"، ومن أبرز أعضائها الفنانة فاطمة مرسي، أول عازفة سمسمية في مصر.
وأكد محمود التميمي، أن الفن البورسعيدي يختلف عن غيره من أشكال الفلكلور في أقاليم مصر، إذ إنه لا يروي فقط الحياة اليومية وتفاصيلها، ولا يرتبط بالعادات والتقاليد والمناسبات العائلية مثل الزواج، بل يؤرخ أيضًا لفصل مهم من تاريخ مصر، ما عاشه أهل بورسعيد من مقاومة وعدوان، متابعًا: "هو تاريخ قريب، عاشه من يؤدي هذا الفن، أو سمعه مباشرة من الجيل الذي سبقه".
وأضاف التميمي: "بورسعيد مدينة حديثة نشأت مع قناة السويس، ولذلك كانت الهجرات التي جاءت إليها خلال أعمال حفر القناة وتطور المدينة رافدًا أساسيًا في تكوين ثقافتها، وتنوعت هذه التأثيرات بين مناطق مصر المختلفة، وكانت النوبة أحد أهم روافد الثقافة البورسعيدية، إذ أهدتها آلة السمسمية، التي أصبحت أحد أبرز رموز الفن والموسيقى في مدن القناة".
وبدأت جولة التميمي، في الأرشيف والوثائق بصورة للرئيس الراحل جمال عبد الناصر مبتسمًا بعد توقيع اتفاقية الجلاء في سنة 1954، حيث يراها بأنها المحطة الفارقة لاستعادة حقوق مصر في قناة السويس، فلم يكن التأميم وليد لحظة خطاب المنشية الذي أعلن ناصر عن قراره التاريخي.
ويتابع التميمي، أنه سبقته دعوات عديدة، أشهر من قادها القانوني الدكتور مصطفى الحفناوي، الذي شُغل بالقناة طيلة حياته، لدرجة أن أسس صحيفة باسم "قناة السويس" كانت منبرًا لكشف سرقة الاستعمار لحق مصر فيها.
وأضاف: "كان الحفناوي يشكل غضبًا كبيرًا لدى حكومة الاحتلال البريطاني، لذلك استدعاه الرئيس عبد الناصر وطالبه بأن يخفف من تلك الحملات، فربما تكون العقبة والذريعة التي تتحجج بها بريطانيا وتؤجل جلاءها عن البلاد، ووعده بأن يكون تأميم القناة على رأس أولوياته بعد انسحاب آخر جندي بريطاني عن مصر".
صك الشرعية الحقيقي لزعامة عبد الناصر
وأكد التميمي، أن قرار التأميم مثّل صك الشرعية الحقيقي لزعامة عبد الناصر، بعدما رفض أن تظل قناة السويس، التي تقع على أرض مصر وراح في حفرها أرواح 120 ألف مصري وقتما كان تعداد سكان مصر 4 ملايين، رهينة لمصالح الدول الكبرى.
وشدد على أن عبد الناصر لم يكتفِ برفض هذا الوضع، وإنما اتخذ قرارًا بالمواجهة وتحمل تبعاته بالعدوان الثلاثي الذي قاومه المصريون من أبناء بورسعيد ومدن القناة بالسلاح رجالًا ونساءً وشبابًا في أعمار صغيرة، إلى أن تكلل النصر في 1956 مع الانسحاب.
وتابع: "لكن عبد الناصر يؤخذ عليه تحامله وبعض نزعات المغامرة بعد حالة النصر، منها رده على صحفي إنجليزي سأله عن مدى تعامله مع الضغوط الكبيرة كإنسان بعد 11 عامًا مع معركة السويس، ليجيبه عبد الناصر بأنه لا يزال في صحة وحالة جيدة، مع عدم بلوغه سن الخمسين والعمر أمامه طويلًا، وأطلق عبارة ساخرة: "وأنا مش خرع زي مستر إيدين"، في إشارة إلى أنطوني إيدن، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، والذي شاركت بلاده في العدوان الثلاثي على مصر 1956، لكن المفارقة أن ناصر مات بعد أقل من 3 سنوات بفعل الضغوط القاسية على صحته، بينما رحل إيدن في عام 1977 وقد قارب الثمانين من عمره".
من جهته، يروي الدكتور علي الحفناوي، جانبًا من سيرة والده وعلاقته بقضية تأميم قناة السويس، مستندًا إلى ما سجله في مذكراته، ومن بينها رواية عن جده عبد الله، الذي عاصر أعمال حفر القناة وذاق بنفسه قسوة السخرة.
ويعود الدكتور علي الحفناوي، أستاذ العمارة بجامعة باريس، إلى البدايات الأولى لاهتمام والده بقضية قناة السويس، والتي لم تبدأ، بحسب ما يروي، من دراسة أكاديمية أو موقف سياسي، وإنما من مشادة عابرة خلال رحلة عمل إلى إنجلترا عام 1946.
واستمع الحفناوي، على متن الباخرة، إلى رجل إنجليزي يتحدث عن قناة السويس وأهميتها للتجارة العالمية، وعن القاعدة العسكرية البريطانية في مصر، قبل أن يتطرق بلهجة تنطوي على قدر كبير من التعالي إلى الشعب المصري وقدراته، وكأن بقاء القناة تحت السيطرة البريطانية أمر لا يمكن أن يكون محل نقاش.
وقال الحفناوي، إن والده لم يصمت، ورد عليه بأن عقد امتياز قناة السويس سينتهي عام 1968، بجانب أن مصر ستتسلم القناة بعد انتهاء الامتياز وتديرها بنفسها.
وتابع: "الإجابة أثارت غضب الرجل الإنجليزي، فرد بأن العالم ليس من الغفلة أو البلاهة بحيث يضع مصير التجارة العالمية في أيدي الجهلاء المتخلفين، وتحولت المناقشة إلى مشادة بين الطرفين، لكنها تركت أثرًا عميقًا في الحفناوي، الذي بدأ منذ ذلك الوقت رحلة طويلة مع قضية القناة، بحثًا في تاريخها، وامتيازها، والحقوق المصرية فيها، وما اعتبره انتقاصًا من حق مصر في إدارة أهم شريان ملاحي على أرضها".
وكشف الحفناوي، عن واحدة من أهم الوثائق التي عثر عليها والده، والتي مهدت، بحسب روايته، للتأميم ومنحت مصر سندًا قانونيًا قويًا في استعادة حقها في القناة.
وأضاف: "في عام 1950، وقبل قيام ثورة يوليو، عثر الدكتور مصطفى الحفناوي في مقر شركة قناة السويس بباريس على العقد الأصلي لتأسيس الشركة، ليتبين من نصوصه أنها شركة مساهمة مصرية، مقرها مصر، وتخضع للقوانين المصرية وللقضاء المصري".
وأوضح أن العثور على العقد الأصلي كشف أن العقد المطبوع الذي كانت تتعامل الحكومة المصرية بموجبه مع الشركة كان، بحسب ما توصل إليه الحفناوي، محرّفًا ومُلفقًا منذ الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، إذ جرى إخفاء النصوص الأصلية التي تحدد جنسية الشركة وطبيعتها القانونية.
وأشار الحفناوي، إلى أن العقد الأصلي، الذي صدّق عليه السلطان العثماني عام 1866، نص بوضوح على أن شركة قناة السويس شركة مساهمة مصرية، تخضع للقوانين التي تصدر في مصر، ولولاية القضاء المصري؛ ما اعتبره والده مستندًا حاسمًا في معركته القانونية لإثبات حق مصر في القناة.
ديليسبس اللص الكبير المدان في بلاده
من ناحيته، قال المؤرخ محمد الشافعي، إن الصورة الشائعة عن فرديناند ديليسبس باعتباره مهندس مشروع قناة السويس لا تستند إلى الحقيقة التاريخية، موضحًا أن ديليسبس لم يكن مهندسًا ولم يدرس الهندسة، وإنما التحق بكلية الحقوق لمدة عام واحد، قبل أن يعمل، بوساطة والده وعمه، في السلك الدبلوماسي، ثم فُصل من عمله بعد عدة سنوات نتيجة فشله في أداء مهام وظيفته.
وأضاف أن ديليسبس، تولى خلال عمله الدبلوماسي، منصب نائب قنصل فرنسا في مصر، حيث حظي بدعم وترحيب من الوالي محمد علي، بحكم معرفته السابقة بوالده ماتيو ديليسبس، فيما أسند محمد علي إلى ديليسبس مهمة الإشراف الرياضي على ابنه سعيد، في محاولة لمساعدته على إنقاص وزنه.
وأكد الشافعي، أن ديليسبس لم يكن له دور في تصميم أو إعداد مشروع إنشاء قناة السويس، وإنما استولى على جهود ثلاثة ممن سبقوه إلى دراسة المشروع، هم القس الفرنسي أنفانتان، الذي عرض فكرة إنشاء القناة على محمد علي لكنه رفضها، والمهندس النمساوي الإيطالي الأصل لويجي نيجريللي، والمهندس الفرنسي لينان، مستشار محمد علي.
وأوضح أن أنفانتان ونيجريللي شاركا، إلى جانب عدد من المهندسين والسياسيين الأوروبيين، في تأسيس "جمعية دراسات قناة السويس"، إذ كان نيجريللي صاحب التصميم الأهم للمشروع، وهو التصميم الذي جرى تنفيذه لاحقًا.
وأشار إلى أنه بعد تولي سعيد باشا ولاية مصر، عقب وفاة عباس الأول، قرر أعضاء جمعية الدراسات الاستعانة بديليسبس، مستغلين علاقته السابقة بسعيد، فأرسلوه إليه، وتمكن من الحصول على ما يتعلق بالمشروع من أنفانتان ونيجريللي، باعتباره مندوبًا عن الجمعية.
وتابع: "لكن ديليسبس، ما إن التقى الوالي سعيد حتى نسب المشروع إلى نفسه، وتمكن خلال وقت قصير من الحصول على موافقته، ثم حصل على الامتياز الأول في نوفمبر 1854، رغم أنه لم يكن يمثل جهة أو دولة، قبل أن يحصل على الامتياز الثاني في يناير 1856".
واختتم الشافعي حديثه عن ديليسبس، مؤكدًا أن الرجل الذي قُدّم لسنوات باعتباره صاحب إنجاز قناة السويس، انتهت مسيرته بفضيحة مدوية في قضية قناة بنما، التي حوكم فيها بتهم خطيرة تمس الشرف والنزاهة، وصدر بحقه وبحق نجله حكم بالسجن لمدة خمس سنوات.