• خبراء العمارة: الحفاظ على القاهرة الخديوية يتجاوز «طلاء الواجهات».. وتطوير واجهات وسط البلد لا يكفي لحماية الطابع التاريخي
خلال جولة تفقدية بالقاهرة الخديوية، خلال مايو الماضي، وجّه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، بتوحيد ألوان طلاء بعض المباني والعمارات التاريخية بمنطقة وسط البلد، الواقعة في نطاق المرحلة الرابعة من مشروع تطوير القاهرة الخديوية، والتي تمتد من شارع 26 يوليو إلى ميدان طلعت حرب، والتي تهدف إلى تحسين المشهد البصري واستعادة الطابع المعماري والحضاري للمنطقة، من خلال تطوير الواجهات وإزالة التشوهات البصرية.
لكن هل يكفي توحيد الألوان للحفاظ على روح القاهرة الخديوية وهويتها التاريخية؟
في تصريحات خاصة لـ"الشروق"، قال المهندس طارق والي، المعماري ومؤسس ومدير مركز طارق والي للعمارة والتراث، إن عملية توحيد طلاء المباني تُعد خطوة تجميلية لا تسهم وحدها في الحفاظ على التراث، فلابد من تحقيق تناغم في الألوان بما يتناسب مع هوية كل مبنى وطبيعته المعمارية.
وأضاف: “التطوير الحقيقي يجب أن يكون أعمق من مجرد الواجهات، فالكثير من مباني وسط البلد تحتاج إلى ترميم داخلي يواكب احتياجات السكان ويحافظ على القيمة التاريخية للمكان”.
وأشار والي إلى صعوبة تحقيق التوازن بين التطوير والحفاظ على الطابع التاريخي للمنطقة، مؤكدًا أن أي تدخل عمراني يجب أن يسبقه فهم دقيق لهوية وسط البلد واحتياجاتها، “حتى لا تتحول المنطقة إلى مجرد مشهد متحفي فاقد للحياة”.
اللون جزء من الهوية المعمارية
من جانبها، قالت الدكتورة فاتن صلاح، عضو هيئة خبراء التراث العربي، في تصريحات لـ"الشروق، إن اللون يُعد عنصرًا أساسيًا في تشكيل الهوية البصرية للعمران، موضحة أن عمارة العصر الخديوي ارتبطت بألوان هادئة ودرجات باستيلية مستوحاة من طرازي الباروك والروكوكو وهما من أبرز الطرز الأوروبية التي أثرت في عمارة القاهرة الخديوية خلال القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين.
وأضافت أن اختفاء هذه الألوان مع الزمن والأتربة وغياب الصيانة خلق لدى البعض تصورًا خاطئًا بأن المباني التراثية كانت بلا ألوان، بينما كانت في الأصل تتمتع بتنوع بصري واضح.
وأبدت صلاح تحفظها على فكرة توحيد ألوان جميع المباني، معتبرة أن ذلك قد يخلق حالة من التكرار والجمود البصري، في حين أن استخدام درجات لونية متنوعة داخل نطاق متناسق يمنح المنطقة طابعًا أكثر حيوية ويحافظ على خصوصية كل مبنى.
وحول آليات الحفاظ على التراث، أوضحت أن المباني التراثية تُصنف إلى ثلاث فئات وفق قوانين الحفاظ على التراث؛ فئة يُمنع فيها أي تدخل، وأخرى تسمح بأعمال ترميم محددة، وثالثة تتيح مرونة أكبر في التعامل مع المبنى مع الحفاظ على واجهته التاريخية.
وأكدت أن وسط البلد تتمتع بطابع عمراني وإنساني خاص، سواء من حيث تخطيط الشوارع والميادين أو التفاصيل المعمارية للمباني، ما يتطلب التعامل معها بحذر يوازن بين التطوير والحفاظ على الهوية التاريخية، خاصة أنها تمثل منطقة واعدة لإعادة الاستخدام السياحي والاستثماري.
تحذيرات من مواد التشطيب وإهمال الصيانة
وفي السياق ذاته، شددت الدكتورة سهير حواس، أستاذ العمارة والتصميم العمراني بكلية الهندسة جامعة القاهرة، على ضرورة الالتزام بالاشتراطات الخاصة بمنطقة القاهرة الخديوية، مؤكدة أن “إعادة الوجه الحضاري لوسط البلد تعني الحفاظ على أصل المباني واسترجاع شكلها الأصلي، لأن كل مبنى له شخصية معمارية متفردة وتصميم خاص”.
وأضافت أن القاهرة الخديوية لم تفقد خصائصها المعمارية، لكنها تحتاج إلى “ترميم وإصلاح ونظافة وفق اشتراطات واضحة”، مشيرة إلى أهمية إشراف استشاريين متخصصين على أعمال التشطيبات والترميم.
وأوضحت حواس أن بعض مواد الطلاء الحديثة قد تؤثر سلبًا على المباني التراثية، قائلة: “ليست كل الواجهات تقبل أي نوع من الطلاءات، فبعض المواد مثل الإكليريك تؤثر على جودة المبنى، كما أن إزالة التشطيبات الدخيلة تحتاج إلى تقنيات متخصصة حتى لا تتضرر الواجهة التاريخية”.
وأكدت ضرورة وضع برامج دورية لصيانة المباني بعد تطويرها، لضمان الحفاظ على المشروع وعدم عودة المباني إلى التلف مرة أخرى.
وبين طلاء الواجهات ومحاولات استعادة بريق القاهرة الخديوية، يبقى التحدي الأكبر هو كيفية الحفاظ على روح وسط البلد وتفاصيلها المعمارية والإنسانية، حتى لا يتحول التطوير إلى مجرد تغيير في الألوان يخفي وراءه أزمات أعمق تعاني منها المنطقة التاريخية.