أثارت تصريحات الفنانة الشابة أميرة أديب، بشأن تعاطي المخدرات بين طلاب فصلها الدراسي جدلًا واسعًا، بعدما كشفت أنها كانت الوحيدة بين زملائها التي لم تتعاطَ المخدرات، مرجعة ذلك إلى دعم أسرتها لها واحتوائها.
التصريح، الذي وصفه عدد من رواد مواقع التواصل والإعلاميين بأنه «صادم»، فتح باب التساؤلات حول حقيقة انتشار تعاطي المخدرات بين الطلاب، والعوامل التي قد تدفع المراهقين إلى تجربة المواد المخدرة.
معدلات تعاطي المخدرات بين الشباب
وبالرجوع إلى نتائج المسح الشامل لمعدلات انتشار الكحوليات والمواد المسببة للإدمان، الصادر عن وزارة الصحة والسكان عام 2021، تبين أن فئة الشباب هي الأعلى في معدلات تعاطي المخدرات.

وتُظهر البيانات في المسح، أن الإدمان يتركز بصورة أكبر في الفئات العمرية الشابة؛ إذ تستحوذ الفئة من 26 إلى 30 عامًا على النسبة الأكبر بواقع 43% من الحالات، تليها الفئة من 31 إلى 35 عامًا بنسبة 27.4%، ثم الفئة من 36 إلى 40 عامًا بنسبة 15.7%، بينما بلغت النسبة 7.4% للفئة من 41 إلى 50 عامًا، و6.1% للفئة من 19 إلى 25 عامًا، ولم تتجاوز 0.4% بين الفئة من 51 إلى 60 عامًا، ويبلغ متوسط عمر المصابين بمرض الإدمان نحو 32.2 عامًا.

وعلى مستوى التعليم، تشير النتائج إلى أن الحاصلين على مؤهل ثانوي يمثلون النسبة الأكبر من المصابين بالإدمان، بواقع 45.7%، يليهم الحاصلون على التعليم الإعدادي بنسبة 13%، ثم التعليم الجامعي بنسبة 12.3%، فيما بلغت النسب 10.2% للأميين، و8.2% لمن يقرأ ويكتب، و6.4% للحاصلين على التعليم الابتدائي، و1% لما بعد التعليم الجامعي، وفقًا لما ذكره المسح.
وتسلط «الشروق»، في هذا التقرير، الضوء على الظاهرة، من خلال آراء المتخصصين، للتعرف على أسباب وقوع المراهقين في دائرة التعاطي، وكيف يمكن للأسرة اكتشاف العلامات المبكرة وحماية أبنائها من الإدمان.
كيف يبدأ طريق المراهق إلى تعاطي المخدرات؟
يقول الدكتور جمال فرويز، استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، إن بداية تعاطي المخدرات في سن مبكرة غالبًا ما تكون مرتبطة بالتقليد ومحاولة إثبات الذات، معقبًا: «90% من هذه السلوكيات تبدأ من باب التقليد، من السيجارة حتى الحشيش وباقي المواد، المراهق هنا بيحاول يكون ليدر والباقي تابعين، وطبعًا الدور الأساسي هنا لأصدقاء السوء اللي بيدفعوه لخوض التجربة».
وأوضح «فرويز»، أنه لا يشترط أن يكون هؤلاء من الأصدقاء المقربين، فقد يدخل المراهق إلى هذه الدائرة من خلال أصدقاء الأصدقاء، ثم يحاول إثبات نفسه داخل المجموعة، إذ يسعى هو نفسه بعد ذلك إلى أن يصبح قائدًا ولديه تابعون.
اضطراب النوم.. أول علامة تلفت نظر الأسرة
وعن العلامات التي يمكن أن تساعد الأسرة على اكتشاف تعاطي المخدرات، كشف «فرويز»، أن اضطراب النوم من أهم العلامات التي يجب الانتباه إليها، سواء في فترة الدراسة أو الإجازة، خاصة إذا صاحبه تغير واضح في نمط الحياة.
وأضاف أن العلامات تختلف حسب نوع المخدر وطريقة تعاطيه، فقد تظهر هالات سوداء أسفل العينين، أو بعض الحركات اللاإرادية، إلى جانب تغيرات في الشهية، سواء بفقدان الشهية يتبعه لاحقًا زيادة الإقبال على الطعام أو العكس، وأيضًا طلب أموال بشكل مبالغ فيه، ثم اختفاء أشياء ثمينة من المنزل، إلى جانب ظهور الكذب ومحاولات إخفاء الحقيقة.
وتابع «فرويز»: «في علامات تظهر مرتبطة بطريقة التعاطي، يعني مثلًا ممكن نلاقي حركات لاإرادية عند الأنف في حالة تعاطي المخدرات عن طريق الاستنشاق، أو نلاقي المتعاطي بيحاول يداري جسمه في الصيف يلبس ملابس بأكمام طويلة لإخفاء أماكن الحقن في حالة التعاطي من الأوردة».
الأكثر عرضة للوقوع في الإدمان
وعن طبيعة الشخصيات الأكثر عرضة للوقوع في فخ تعاطي المخدرات، يوضح استشاري الصحة النفسية وعلاج الإدمان، أن الشخصية تتكون من ثلاثة عناصر أساسية: "الجينات الوراثية بنسبة 15% من الأسرة، والتربية من 70% إلى 80%، والخبرات الحياتية من 10% إلى 15%"، مؤكدًا أن التربية هي العنصر الأساسي في تكوين الشخصية؛ لأنها تساعد الطفل على معرفة الصحيح من الخطأ، وتمنحه القدرة على التعامل مع المواقف، واختيار أصدقائه وقراراته بشكل سليم.
ولفت إلى أن هناك بعض الشخصيات التي قد تكون أكثر عرضة للجوء إلى المخدرات، من بينها الشخصية السلبية الاعتمادية، التي قد تلجأ إلى المخدر لإثبات أنها أصبحت قادرة على الاعتماد على نفسها بعيدًا عن الأسرة، ومن بينهم الشخصية السيكوباتية، والشخصية الحدية، والشخصية العصبية التي تعيش تحت ضغط مستمر، باعتبارها من الأنماط التي قد تكون أكثر عرضة للمشكلات المرتبطة بالتعاطي.
اختيار الأصدقاء مسئولية
ويؤكد فرويز، أن الوقاية تبدأ من التربية السليمة، قائلًا إن الأسرة يجب أن تعلم أبناءها منذ الصغر الفرق بين الصح والخطأ، وألا تعتبر التدخل في اختيار الأصدقاء أمرًا غير مقبول، مضيفًا: «مش عيب إننا نتدخل في اختيار أصدقاء أولادنا، نعرف أهاليهم ونشوفهم، ونقول لابننا دول كويسين ودول لأ، ويكون دور الأسرة التوجيه والحوار وليس السيطرة فقط».
ماذا تفعل الأسرة عند اكتشاف تعاطي ابنها للمخدرات؟
عند اكتشاف تعاطي الابن للمخدرات، نصح الدكتور «فرويز» الأهالي بعدم اللجوء للضرب أو العزل كحل للمشكلة، بل الأفضل التحدث معه بهدوء لمعرفة الأسباب التي دفعته إلى التعاطي، مع مراعاة سنه والظروف التي يمر بها، مشددًا على ضرورة التعامل مع الإدمان باعتباره مرضًا مزمنًا قابلًا للانتكاس، وليس مجرد فترة عابرة تنتهي بمفردها.
ويرى «فرويز»، أن العلاج لا يقتصر على حجز المريض داخل مركز، وإنما يشمل التأهيل النفسي وتعديل السلوك والشخصية؛ إذ قد تمتد فترة الانسحاب من 10 إلى 15 يومًا، تليها فترة تأهيل ونقاهة تستمر نحو 30 يومًا، إلى جانب جلسات متابعة قد تمتد لـ6 أشهر، حتى يتمكن المتعافي من استعادة حياته بصورة طبيعية.
واختتم مؤكدًا ضرورة الوقاية، وأرجع بدايتها إلى الأسرة، من خلال التربية السليمة والحوار ومتابعة الأصدقاء، والتغيرات التي تصاحب سلوك الأبناء وشخصياتهم، خاصة في فترة المراهقة.