يحتفل الدبلوماسي الكبير عمرو موسى بعيد ميلاده التسعين، اليوم 3 أكتوبر، فقد ولد في عام 1936 في حي منيل الروضة بالقاهرة، لعائلة عريقة ذات تاريخ وحضور سياسي، فكان والده الدكتور محمود موسى أستاذاً جامعياً وعضوا بالبرلمان، كذلك جده لوالدته حسين الهرميل الذي كان عضواً بالبرلمان ومن رجال حزب الوفد وعلى علاقات قوية بزعمائه التاريخيين.
وعن ذكريات طفولته في هذا البيت السياسي يروي عمرو موسى في الجزء الأول من مذكراته الذي نشر بعنوان "كتابيه.. سنوات النشأة والدبلوماسية" وحرره ووثقه الكاتب الصحفي خالد أبو بكر، وصدر عن دار الشروق بقوله، "خلال تلك الفترة التقيت ببعض زعماء الوفد الكبار في مناسبات عديدة، فعندما بلغت السادسة من عمري، جاء لزيارة جدي، القطب الوفدي الكبير، مكرم عبيد باشا قبل أن يتم فصله من حزب الوفد في يوليو من سنة 1942. أنشدت أمامه نشيدًا للترحيب به، يقول مطلعه: أهدي لمكرم باشا الورد".
• بحب عمرو موسى وبكره إسرائيل
والتحق موسى بالسلك الدبلوماسي في نهاية الخمسينيات، وشهد تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي في مختلف محطاته، ومع توليه منصب وزير الخارجية، كانت إسرائيل من أدق الملفات التي عمل عليها، وظلت سنوات توليه الوزارة، وكذلك عقب خروجه منها وتوليه أمانة الجامعة العربية ثم انتقاله إلى العمل العام، مواقفه دائمًا في مواجهة سياسة إسرائيل العدوانية والإجرامية جزءًا أصيلًا من منهجه.
ونركز في هذا التقرير على علاقة موسى بإسرائيل خلال سنوات توليه وزارة الخارجية، وظهور أغنية شعبان عبد الرحيم "بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى" في سنة 2000 مع الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وقال: "كل الشواهد في هذه السنة كانت تشير إلى أن أيامى باتت معدودة بالوزارة، غير أن هناك بعض الأحداث التي عجلت برحيلي من الوزارة، منها ما يتسم بالطرافة، مثل أغنية شعبان عبدالرحيم، التي يقول ويكرر في أكثر من مقطع فيها بكره إسرائيل وبحب عمرو موسى، في ظل أجواء مشحونة بسبب الانتفاضة الفلسطينية الثانية". ويضيف موسى، أن "هذه الأغنية أعطت كمية كبيرة من الذخيرة لكل من أراد التصويب على وزير الخارجية الذى يتردد اسمه في الأغنيات التى تنتشر كالنار في الهشيم بين الشباب في مختلف أرجاء الوطن العربي، ويغنيها الناس في أفراحهم". وتابع: "لم أسمع لأغنية فور إطلاقها، لكن ما لفت انتباهي إليها هو الاعتراضات الإسرائيلية عليها.. أتى لي صديق بهذه الأغنية، وبينما كنا نسمعها معا، صاح هذا الصديق فجأة وقال (الله يخرب بيتك يا شعبان يا عبدالرحيم.. الموضوع كده هيخلص بسرعة ياعمرو بيه)، في إشارة إلى أن أيامى باتت معدودة في الوزارة".
ويضيف عمرو موسى في مذكراته: "على مدار 10 سنوات قضيتها وزيرًا للخارجية لم تنقطع المواجهات السياسية بيني وبين سياسة إسرائيل على تنوع مشاربهم الحزبية والفكرية، وذلك مرده إلى تلك السياسات الإسرائيلية غير المنصفة والعدوانية التي يتفقون عليها جميعًا، وإن بدرجات مختلفة، وباستثناءات قليلة، والتي بمقتضاها تحصل إسرائيل على كل شيء من دون أن تقدم أي شيء ذي قيمة في إطار حقوق الفلسطينيين والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة"
وتابع موسى: "الواقع أن شعورًا تولد لدي منذ كنت رئيسًا لوفد مصر لدى الأمم المتحدة (1990 - 1991) أن إسرائيل تتفق وتنسق مع الولايات المتحدة الأمريكية ليس فقط في مجال السياسات ومسارها، وإنما في كيفية الالتفاف علينا، وأنهما قد لا تهتمان بخطبة أو بيان أو تصريح يصدر عنا لا يروق لهما، مادام أنه في سياق حالات فردية لا تأثير لها، ولكن إذا شكل الأمر نمطا أو مهد لسياسة لم تخطرا بها أو لم تتوقعاها أو كان لها صدى ودوي، عندئذ يحركان آلياتهما بسرعة الحصار أو اختراق أي تيار يشعران بخطورته الحالية أو المتوقعة. بل قد تتحركان لإسقاط المسئول الذي يمكن أن يُخشى من تأثيره أو دوره في السياسة العربية المناهضة لهما.
• قضية السلام.. هل دفعت مصر البلاد العربية للتشدد في المفاوضات مع إسرائيل؟
ويوضح موسى، "هناك خلافات حادة وواضحة لنا مع إسرائيل مرتبطة بقضايا تمس جوهر الأمن القومي المصري والعربي والإقليمي، ظلت متقدة ومشتعلة طوال العقد الذي توليت فيه وزارة الخارجية المصرية (1991/2001). أولى هذه القضايا مرتبطة بعملية السلام، التي كنت أرى أنها لا بد أن تكون عملية شاملة حتى يكون السلام شاملا، أي أنها يجب ألا تقتصر على المسار الفلسطيني وحده، بل أن تكون الحركة على المسارين السوري واللبناني في نفس الوقت وبنفس السرعة .
ويؤكد موسى، "كان هذا موقفي منذ مؤتمر مدريد في أكتوبر 1991، وهو ما ترفضه إسرائيل التي كانت التهمة الجاهزة لدى الأجيال المختلفة من ساستها أن مصر هي التي تحض الفلسطينيين على ما يسمونه «التشدد في المفاوضات»، كما أنها تحض السوريين واللبنانيين والعرب جميعًا على اتخاذ موقف التشدد، وكان أصحاب الأرض أو الحق كانوا جاهزين للاستسلام لإسرائيل لولا مصر، وهو شرف لا ندعيه، وإن شكلت المواقف والسياسة المصرية بالفعل حجر الأساس لسياسة الوقوف في وجه الأطماع الإسرائيلية على مختلف الجبهات.
• مقاومة التطبيع المجاني
أما ثانيتها التي كانت سببًا في المواجهات الدائمة بيني وبين قادة إسرائيل، والمرتبطة بأمننا القومي فهي وقوفي الصلب أمام خضوع بعض الأطراف العربية للضغوط المستهدفة للتطبيع المجاني مـع إسرائيل؛ ذلك أنني كنت - ومازلت - أرى أنه يجب علينا ألا تقدم على أي خطوة من خطوات التطبيع العربي الشامل مع تل أبيب من دون استرداد الحقوق العربية، و في إطار صفقة يقرها مجلس الأمن، وبقدر المضي قدمًا في عملية التسوية وإعادة الحقوق العربية يكون المضي في الانفتاح على إسرائيل؛ لكن الذي يحدث هو أن الإسرائيليين دوما يحاولون القفز على دفع استحقاقاتهم، ويقاتلون في الوقت نفسه لجني ثمار أي تعاون يستطيعون تحقيقه مع أي من دولنا العربية وعلى حساب الأرض المحتلة والقدس التي لا تريد التحرك بشأنها، وهو ما كنت أتصدى له على الدوام، ولعل حديثي عن «الهرولة» في مؤتمر «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» عام ۱۹۹٥م يجسد هذا الموقف وهذه السياسة، والواقع أن إثارتي موضوع «الهرولة» لم يكن موجها ضد دولة بعينها - كما سبق أن أشرت - ولكنني تعمدت أن أحَجم هذه الفكرة وأن أطعن في هذا الأسلوب.
وتابع "يحضرني في سياق انزعاج إسرائيل من هذه السياسة التي انتهجتها في مسألة مقاومة التطبيع المجاني تصريح شهير أدلى به وزير الخارجية الإسرائيلية الأسبق ديفيد ليفي، للإذاعة الإسرائيلية، يوم 20 أكتوبر 1999، إذ قال: "إن مصر تتعمد تخريب محاولات إسرائيل لبدء علاقات مع بعض الدول العربية، وهي تنظر نظرة مزدوجة إلى الأمور ؛ فمن جانب ترى أن السلام مهم مع إسرائيل؛ ومن جانب آخر تحاول تعطيل أي محاولة من جانب إسرائيل لتحسين علاقاتها وتعاونها مع الدول العربية".