تناول الكاتب الصحفي يوسف القعيد، في مقاله المنشور في صحيفة الوطن، بتاريخ الجمعة 3 أبريل الجاري، رواية «غواية» للكاتبة نسمة يوسف إدريس، الصادرة حديثًا عن دار الشروق، مسلطًا الضوء على ملامح التجربة السردية للعمل، وما تطرحه من أسئلة تتعلق بالحرية والهوية، في امتداد لمسار إبداعي يتقاطع مع إرث والدها الأديب الكبير يوسف إدريس، مع تأكيد استقلال صوتها الروائي وخصوصية عالمها الفني.
وفي السطور التالية تعيد الشروق نص المقال كاملًا:
نشرت دار الشروق مؤخراً رواية جديدة لنسمة ابنة الراحل العظيم الدكتور يوسف إدريس، الذي يعتبره النقاد والباحثون والدارسون أحد مؤسسي فن القصة القصيرة في مصر والوطن العربي، وربما العالم الثالث.
نسمة ابنته انتهت من كتابة رواية عنوانها «غواية»، ونشرتها لها دار الشروق التي يديرها، بأمانة وبموضوعية وبحرية نادرة، المهندس إبراهيم المعلم، ويكفي أن يُقال عن هذا العمل أو ذاك إنه منشور في دار الشروق حتى يُقبِل القُراء عليه بطريقة غير عادية.
في ندوة عُقدت لمناقشة الرواية، قالت نسمة يوسف إدريس إن كتابة هذه الرواية كانت تحدياً مُعقداً حمل لها قدراً كبيراً من التجربة الإنسانية والفنية. وأوضحت أن الشخصية الرئيسية في هذه الرواية التي اسمها «روحية» تحمل بعض ملامحها. وهذا اعتراف لم يجرؤ أحد من الكُتاب على قوله من قبل. ولكنها قالته بأريحية دون أن يضطرها أحد لذلك. وإن كانت قد أكدت أن الشخصية ليست انعكاساً مباشرة لها، بل يمكن اعتبارها نسخة أكثر جرأة تنطلق بحرية داخل النص لتكتسب جوهرها الخاص.
أضافت نسمة يوسف إدريس أن الرواية لا تتناول الحرية بوصفها مفهوماً بسيطاً، بل تطرح سؤالاً جوهرياً عن متى يصبح الإنسان نفسه؟ وكيف يمكنه تحقيق ذلك في ظل الضغوط الاجتماعية التي تفرض قوالب جاهزة على الأفراد؟ وأشارت الكاتبة إلى أن الوصول للذات الحقيقية في العملية الإبداعية يتطلب شجاعة، وأن كثيراً من اختيارات الإنسان في الحياة لا تكون نابعة من رغبته، بل من إملاءات المجتمع، سواء في التعليم أو العمل أو العلاقات. وتحدَّثت عن صراع الهوية خلال العملية الإبداعية عند كتابة العمل الأدبي. وقالت إنها سعيدة جداً بمناقشة الشباب في عملها هذا.
الناقد الأدبي الدكتور هاني منسي قال إن رواية «غواية» تُمثل تطوراً واضحاً في تجربة نسمة يوسف إدريس، مستفيدة من خلفيتها الأكاديمية، مشيراً إلى أن الفضاء الروائي تم تشييده بعناية، وأنه مرتبط بدواخل الشخصيات، خاصة شخصية روحية. منسي قال إن الرواية تقدم نقداً لحالة الخضوع المجتمعي، حيث تسعي الشخصية للتحرر من قيود الريف الاجتماعية، وإن مفهوم الغواية يتجاوز غواية الجسد ليصبح رمزاً للتمرد وخيانة الروح.
وأشار إلى أن النص يربط الخاص بالعام بحالة من السلاسة ويستدعي رموزاً كثيفة مثل لوحة العشاء الأخير للتعبير عن الصراع الداخلي والتحولات الشخصية. مؤكداً أن الرواية تطرح سؤالاً مفتوحاً عن العلاقة بين حرية الفرد وحرية الوطن. لقد كتبت الصُحف عن هذه الندوة، فقد قال أحمد حلمي إن الرواية تطرح إشكالية مُعقَّدة حول معنى الخيانة وحدودها، وتقدم حالة من التمرد الوجودي، وهو تمرد ضروري لتحطيم الأصنام الاجتماعية والسياسية.
أما الدكتور حسين حمودة، الناقد الكبير وأستاذ الأدب العربي الحديث بجامعة القاهرة، فقد أكد -بطريقته الموضوعية- أن نسمة تمتلك عالماً إبداعياً مستقلاً، وجرأة واضحة على المغامرة، واستكشاف عوالم جديدة، مع القدرة على التجريب بين الأجناس الأدبية وداخل النوع الواحد، بدءاً من المجموعة القصصية، مروراً بالمسرح، وصولاً إلى الرواية.
وحسب ما نشرته الصحف عن هذه الندوة المهمة، فإن الدكتور حسين حمودة أشار إلى أن نصوص هذه المجموعة تتناول الحرية والهوية والتمرد بأسلوب يعكس حرفية عالية دون تقديم إجابات جاهزة، بل إنها تطرح تساؤلات مشروعة وتعكس اهتماماً بالقضايا الفنية والسياسية والاجتماعية. وأكد أن قراءة هذه الرواية تُعد تجربة غنية وعميقة وهادفة تضيف الكثير لمن يفعل هذا.
لم يستند المناقشون لكون المؤلفة ابنة يوسف إدريس، المؤسس الكبير للقصة القصيرة وكاتب الرواية الجيدة، بل تعاملوا مع النص باعتباره عملاً أدبياً كتبته كاتبة بصرف النظر عن كونها ابنة يوسف إدريس.