لم تشكل الجغرافيا الشاسعة لمونديال 2026، الموزع بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، تحديا للمنتخبات والجماهير فحسب، بل تحولت إلى مسرح لماراثون جوي غير مسبوق خاضه رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، جياني إنفانتينو.
هذا التنقل المكثف تحول سريعا إلى مادة دسمة لتقارير استقصائية وتحليلات مثيرة لبيانات الطيران، كان أبرزها التحقيق الشامل الذي نشرته شبكة "بي بي سي" البريطانية عن منصة "بي بي سي فيريفاي" بالتعاون مع مواقع رصد وتتبع الملاحة الجوية لحركة طائرته الخاصة.
ووفقا للمعطيات التي جمعتها وسائل الإعلام من سجلات الملاحة الجوية، قام رئيس الفيفا ب27 رحلة على متن طائرة خاصة خلال 16 يوما فقط من بداية البطولة، متنقلا بين 15 مدينة مستضيفة من أصل 16 مدينة احتضنت مباريات الدور الأول.
وشملت جولات إنفانتينو مدنا متباعدة جغرافيا مثل مكسيكو سيتي وفانكوفر وسياتل ولوس أنجلوس وبوسطن وتورونتو وميامي وغيرها.
أمضى رئيس الفيفا ما يزيد عن 66 ساعة طيران فعلية في الأجواء، قاطعا مسافة إجمالية تجاوزت 50 ألف كيلومتر، وهو ما يفوق محيط الكرة الأرضية كاملا.
ولا تسدد تكاليف هذه الرحلات من ميزانية فيفا، بل تأتي مغطاة بالكامل باعتبارها جزءا من اتفاقيات الرعاية التجارية المشتركة بنظام اتفاقيات الرعاية التجارية والخدمات العينية المبرمة بين الفيفا والخطوط الجوية القطرية.
وقد كشفت الرادارات عن مفارقات صارخة في مسارات الرحلات، فبينما كانت الطائرة تقطع مسافات ماراثونية مثل رحلة ممتدة لحوالي 4500 كيلومتر يوم 13 يونيو من فانكوفر بكندا مباشرة إلى مقر الفيفا المؤقت في ميامي، شهد يوم 15 يونيو ذروة الحركة الجوية حين طار إنفانتينو من ميامي إلى سياتل لمتابعة مباراة بلجيكا ومصر، ثم حلق مجددا في المساء نفسه مسافة 1500 كيلومتر جنوبا نحو لوس أنجلوس ليحضر لقاء إيران ونيوزيلندا في ملعب "سوفي".
في المقابل، سجلت الرادارات رحلته الأقصر يوم 22 يونيو التي لم تتجاوز 148 كيلومترا فقط من فيلادلفيا إلى مطار تيتربورو في نيوجيرسي، لم تكن بغرض حضور مباراة، بل ليتمكن من إجراء مقابلة تلفزيونية صباحية في استوديوهات "فوكس نيوز" بنيويورك، ليحلق بعدها مباشرة صوب بوسطن وتورونتو.
وقد اختتم إنفانتينو جولته الماراثونية الشاقة في دور المجموعات بمدينة ميامي حيث تابع مباراة البرتغال وكولومبيا، قبل أن ينتقل سريعا لمتابعة مباريات الأدوار الإقصائية التالية، حيث كان من أحدث اللقاءات التي رصد فيها حضور رئيس الفيفا المباراة المثيرة التي جمعت بين سويسرا والجزائر مساء يوم 2 يوليو.
هذا التنقل الجوي المكثف وضع الفيفا في مرمى نيران المنظمات البيئية، إذ تشير التقديرات والبيانات إلى أن هذه الرحلات ولدت بصمة كربونية ضخمة تجاوزت 500 طن من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون (تحديدا نحو 516 طنا خلال أول أسبوعين فقط)، إذا علمنا أن الطائرة العملاقة ما يقارب 1817 لترا من الوقود في الساعة الواحدة.
ويمثل هذا الرقم صدمة حقيقية كونه يعادل حرفيا البصمة الكربونية السنوية ل 78 شخصا مجتمعين، مما خلق تناقضا حادا مع استراتيجية الاستدامة التي أعلنتها الفيفا لمونديال 2026 الملتزمة فيها بخفض الانبعاثات بنسبة 50% بحلول عام 2030.
وفي المقابل، دافعت الفيفا رسميا عن هذه التحركات معتبرة أن الجغرافيا الموسعة للبطولة التي تضم 48 فريقا تفرض تحديات لوجستية استثنائية، وأن استخدام الطيران الخاص لا يتم إلا بالتنسيق مع كبار المسؤولين التنفيذيين لضمان الكفاءة التشغيلية والقدرة على إدارة الحدث ميدانيا عندما لا تكون الرحلات التجارية خيارا فعالا.